آخر تحديث: 11 / 8 / 2020م - 4:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ثنائية المديح.. والهجاء

حبيب محمود * صحيفة الشرق السعودية

المدح والهجاء قيمتان أساسيتان تورطت بهما العقلية العربية تورطاً معقداً. تنكشف هاتان القيمتان، أكثر، في الشعر الذي لم يستطع التخلّص من كونه إما مدحاً أو هجاءً. حتى أسلافنا النقاد لم يجدوا في الشعر ما هو خارج عن هذه الحقيقة، على الرغم من أنهم وضعوا أبواباً لموضوعات الشعر.

قالوا هناك غزل ورثاء وشكوى وحكمة ووصف وفخر ووعظ.. وما هذه الأبواب إلا مديح أو هجاء، ولا يُمكنها أن تكون جمالاً محضاً أو فكراً خالصاً. الغزل مديح نساء، والرثاء مديح أموات، والفخر مديح ذات. والحكمة والوعظ لونان من ألوان هجاء الأخطاء، والوصف مديحٌ أو هجاء شيء ما. الشعر العربيّ، برمّته، يُستقبل مديحاً أو هجاءً. وبما أن المديح يُثير السرور والغرور؛ فإن الهجاء يستثير الشنآن والسخط.

والشعر، بوصفه «جزءاً» من «كل» أنماط التفكير العربي، يختزل الشخصية العربية بما هي عليه من تقبّل ونفور لأيّ شكل من أشكال التعبير الذي يُنتجه الآخر. وهذا يعني أن القصيدة معي أو ضدّي. وذلك هو شأن النقد والتوصيف الذي يُدلي به أيّ منا في شأن من الشؤون. إنه إما أن يكون معنا أو ضدّنا، ولا مجال لـ «توصيف حال» لا يذمُّ ولا يتملّق.

من مآزق العقل العربيّ هذا التورّط العميق في تقليب الأفكار المخالفة. لديه إصرار عجيب على التأرجح بين القيمتين على النحو الذي تُعاق فيه قيم التسامح والتعايش بين أشكال التنوّع والاختلافات:

فإما أن تكون أخي بصدقٍ

فأعرف منك غثّي من سميني

وإلا فاطرحني واتخذني

عدواً أتقيك وتتقيني

هذا المنطق الذي فاض في شعر المثقب العبدي قبل قرابة خمسة عشر قرناً لم يتغيّر بما يكفي لفهم أن بإمكان أيّ أحد أن لا يكون أخانا، وفي الوقت نفسه لا يكون عدوّنا.