آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 10:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

لا أوصيكم بترك النقد

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

لا أرغب في أن أوصي أحدكم بأن يتراجع عن النقد الواقعي للدولة، والسير فيه حتى آخره ومنتهاه، بل يتبنى واقعية أعمق وأشمل، واقعية تدخل في حسابها - النواحي الإيجابية - من كياننا الوطني بكل مكوناته، وتاريخنا الحاضر المعاصر.. كما تُدخل في واقعيتها - النواحي السلبية - التي لم تتجرد منها دولة ولا تخلى عنها كيان سياسي عبر التاريخ، ولا خلت منها في هذه العلاقة الشديدة التعقيد بين حاكم ومحكوم. وبين رئيس ومرؤوس، وبين طالب ومطلوب.

لا أوصيكم.. بعدم النقد.. بل الإصرار عليه بقيد شيء واحد وهو - النزاهة - وأمانة المسؤولية في إيجاد التوازن في معالجة الخطأ دون تزييف الواقع، والإخبار بما نحن فيه دون السقوط في غلو النقد والمبالغة فيه، أو ازدراء الذات، أو التحريض على كراهية حاضرنا السياسي والمجتمع الذي يمثله حدا ينتهي بنا إلى الشعور باليأس من المستقبل.

النقد للواقع أحيانا تتلبسه السطحية.. رغم أمانة حامله وصدق نواياه، لأن الكثير منها ينتج من العرف المحبب للجمهور، العرف الذي يخلق التصفيق بحماسة ضارية، وترحيب كبير، أن يتبع الكاتب ما يُغري الجمهور أكثر كما هو ردة فعل نفسية وفكرية على خطاب غلو - عصمة الدولة - وعصمة كيانها بالمطلق، الخروج عن قالب أن الدولة صواب مطلق.. وأن الوزارة تسقط على صاحبها قداسة ترفعه عن مقام الخطأ.. وعن مقام الأنا، ومنافعها الضيقة!.

لا أوصيكم بترك النقد.. بل أوصيكم بتبني المسؤولية واختيارها، والرهان على أمانة الكلمة وتبنيها، أكثر من الرهان على الانتشار السريع، والنشوة العارمة بتعالي التأييد العاجل، على حساب خلق بيئة حاضرة - لكراهية الذات - وميلاد جيل لا يؤمن بساسته ولا يستطيع الرهان على وطنه.. أو التمسك به.. أو قبوله..!

اليوم فيما يُبصره كل بصير، وفيما تقع عليه كل عين، من الكتّاب والمفكرين.. يُبصر هناك حسا فرديا يتكون متناميا وعميقا ومتزايدا في التخلي عن المسؤولية الفردية في البناء والتطوير والعطاء المشترك.

أوصيكم الترقب..! أن تبصروا هذه البيئة السامة التي تنساب عبر وسائل متعددة، وعبر طرق مختلفة، وعبر فكر يراد له أن يكون هو الصواب وهو الحق، ذاك الفكر الذي يجعل الدولة كيانا فاسدا.. لا وجودا ناقصا!

يحتاج إلينا جميعا ليتكامل.. ويتطور.. ويبقى في سيرة ما سبق له أن نجح فيه، وما سبق له أن تميز به، وما سبق له أن شرفنا وتشرفنا به، في مرات كثيرة، وعبر تاريخ طويل.

هذا زمن جعلنا جميعا نخلق عصرنا وواقعنا، بقدر ما نحن نتاجه.. نحن الشجرة.. ونحن الثمر أيضا.... نحن الحاضر بما ما فيه.. خيره وشره.. ونحن المستقبل بما فيه من الرجاء والأمل وصعوبة التحدي.

الناقد والكاتب اليوم بات لاعبا شديد الخطورة أكثر من أي وقت مضى.. أكثر من كل مراحل التاريخ.. لكونه وحده.. الخالق لمزاج الفترة التي يعيش فيها جيل بأكمله.. ويكون نفسية الشعب.. والجمهور والعامة!

المقالة.. والكاتب.. والدولة.. بكل مكوناتها الكبيرة.. وإمكاناتها الهائلة.. تقف أمام صيرورة تتعجل تغيير الأخطاء.. قديمها.. وتلك التي على وشك أن تتكون..! المقدمات حبلى بميلاد مشاريع وطنية غير مكتملة النمو.. ولا مكتملة النضج.. ولا مكتملة الخلق!.

التكنولوجيا جعلت الإنسان أضعف من حمل الصبر، وأعجز منه، كل شيء بات سريعا أكثر مما يجب، سقط كل شيء.. سقط المكان بقوة أجنحة الطيران العملاقة، وسقط الممنوع بالفضاء المفتوح على كل ما لا ترغب فيه خصوصية الدول.. وخصوصية ثقافتها ونسيج العادات والتقاليد منها.. بات كل شيء متشابها.. وكل شيء مستنسخا.. وكل شيء يشبه كل شيء في كل مكان من الأرض.

هذا يجعلنا أمام أمرين مهمين.. ضرورة تغيير ما يثير غضب الناس، ويضغط على أعصابهم ومعاشهم وأرغفة خبز أطفالهم.. وهنا لا فرصة للمجاملة فيه أو عليه. لكونه يكون بارود انفجار لا تمنعه براميل الخشب الباردة التي تؤطره وتحمله.. والثاني.. النقد الرشيد الذي يتحلى بالتركيز على تكميل النقص.. واستكمال خطوات النجاح.. والحفاظ على المكتسبات الحقيقية والواقعية..

وعدم نبذ الذات.. والتعالي عليه بكل الخير.. والصورة الإيجابية الكبيرة التي كانت وما زالت ترتسم على الحاضر والواقع كل يوم.. وكل صبح بجمال جديد.. وأمل جديد. تعالوا نقتل الديدان دون أن نقتلع الشجرة، ونعقم المحصول لا أن نحرق البيدر.