آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 11:34 م  بتوقيت مكة المكرمة

هكذا نرتقي بمجتمعنا

سراج علي أبو السعود * صحيفة الاقتصادية

اخترت لنفسي الصباح منذ زمن ليس بالقصير وقتا للتسوق، ربما لأن الهدوء هو سمة المجمعات التجارية في هذا الوقت، وبعد أن استقرَّ بي المقام في مواقف مجمع الراشد بالخبر، رأيت حافلة لشركة أرامكو تُقل مجموعة من النساء الأجنبيات من مختلف البلدان، نزلن بانتظام وقد شدتني تلك البساطة الشديدة في مظاهرهن، فعلى ظهورهن حقائبٌ رياضية بسيطة، وبعضهن بساعات يدٍ ملونة، ولا يبدو على أكثرهن أي من تلك الحلل الفاخرة وحلي الذهب والألماسٍ وخلافه، غير أنَّ هذا الحال قد تغيَّر كثيرا بمجرد دخولي إلى السوق، فهنالك وما إن دخلت رأيت من نسائنا الكثيرات ممن يحملن تلك الشنط الفاخرة التي تبلغ قيمتها الآلاف، وأما تلك النظارات والسيل العارم مما بدا من حللهن فإنه يصيب الإنسان بالذهول.

لست واعظاً حتى أبيح أمرا وأحلل آخر، غيرَ أنَّ أمرا لافتا جدا في أولادنا وبناتنا يستدعي - كما أعتقد - الوقوف عنده، ففي الوقت الذي بات الكثيرون يقلدون الغرب ويستوردون منه كثيرا من الأمور التي ربما يتنافى بعضها مع قيمنا وعاداتنا، إلاَّ أنَّ كثيرا من العادات الجميلة في المجتمعات الغربية لم يجرؤ أكثرهم على نقلها؛ لعل من أهمها تلك البساطة المفرطة في أسلوب الحياة، تلك البساطة التي تجعلهم يدركون أن مظهرا خلوا من أي مضمون ليس سوى مادة للسخرية والتندر، لا للثناء والتقدير.

لا أتحدث هنا عن قدرة شرائية عالية تُبيح من الناحية العرفية اقتناء النفائس، ما أتحدث عنه هو ثقافة مادية تجعل الجميع يشعر بأنَّه مُلزم بهكذا هيئة حتى لا ينظر إليه الآخرون بازدراء وانتقاص، في حين ليس للمضمون العلمي والثقافي شانٌ يُذكر على وجه العموم.

لا شك أن الظهور بالمظهر اللائق أمر لا بُدَّ منه، ولكن المشكلة الحقيقة هي ذلك الشعور بالنقص والألم لدى تلك الفئة غير المقتدرة من الناس، التي أصبحت ترى أنها ملزمة اجتماعيا بمواكبة مجتمعها؛ مما يجعلها تتحمل ما لا تستطيع، كل ذلك نتيجة طبيعية للمادية الممعنة التي يعيشها الكثيرون في نظرتهم للأمور، الأمر الذي يسهم بالضرورة في زيادة الضغط على تلك الفئة.

العلم يرفع بيتا لا عماد له   والجهل يهدم بيت العز والشرف

إنَّ رقي الإنسان لا يكون فيما أرى إلا بأمرين أساسيين: أولهما الالتزام بالدين الذي يمثل قانون الحياة، وثانيهما العلم، وكلما ارتقى الإنسان في علمه، تميز عن أقرانه، ومن المؤسف أن نجد مضمار التكامل في أذهان الكثيرين هو المال والمال فقط. هذه النظرة المادية البحتة للأمور هي كما أظن من أهم أسباب التخلف المستشري في مجتمعاتنا وعدم قدرتنا على مواكبة المجتمعات المتقدمة.

إن عدم إدراك أن الإنسان إنما يتكامل بدينه وعلمه، هو ما يجعل تلك النظرة القاصرة تسود بين الناس، حتى لتجد شابا يمشي الخيلاء ليس سوى لأنه يرتدي «بلوزة» عليها تمساح لا يُرى حتى بالمجهر، وآخر مثله يلبس مجموعة من الخطوط المتقاطعة وعليها فارسها الشجاع، كل ذلك بقيم تصل إلى مئات الريالات، في حين أنَّهم لا يتمتعون بالمستوى الأدنى ربما من العلم والثقافة.

ثقة مفرطة في سلوكياتهم حتى ليظن المتأمل أنهم على درجة علمية عالية، بينما نسبة - ربما ليست قليلة منهم - تفتقد أبسط درجات العلم والثقافة إجمالا، المصادفة وحدها قد تجمعك بأحد من لهم شأن علمي وثقافي عظيم وعلى مظهره الكثير من إمارات التواضع، حتى ليبدو حين صمته أدنى من الكثيرين، غير أنَّ بضع كلمات منه تكشف لك المستوى العلمي والثقافي الكبير الذي يتمتع به، هذا المستوى الكبير من الثقة هو ما يجعله غير مكترث لمواكبة المجتمع في ظاهرة، قد لا يكون لها مبرر سوى الجهل وفقد الثقة بالنفس، الذي يدفع بطبيعة الحال البعض إلى تعويضه خطأ بالماديات، جهلاً ربما منهم بأن المظهر الأجوف ليس ليرتقي بالإنسان إلا لدى ضعاف النفوس وسطحيي العقول.