آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 12:58 ص

مات.. مخذولا..!

الدكتور محمد المسعود

أثناء عبور جد مع حفيدته جسرا معلقا قال لها: تمسكي بيدي جيدا فنظرت إليه وقالت: يجب أن تمسك أنت بيدي..!

ولكن ما الفرق؟

الفرق أني من المكن أن أعجز عن مسك يدك طيلة الوقت.. ولكن لو مسكت أنت بيدي لن تدعها تسقط منك أبدا..!.

غالبا الأصدقاء حولك كلهم أصدقاء حتى تأتي الشدائد فتظهر لك حقيقتهم.. أو تطلعك على ما لا يمكنك الإطلاع عليه من باطنهم..!. ففي تبدل الأحوال معرفة حقائق الرجال..!.

أجاب حكيم أبنه حين سأله كم عدد أصدقاءك المخلصين يا أبي؟ أجابه: لا أدري..! لأني لم أحتج إليهم بعد.. ولو قدر لله علي أن أحتاج إليهم.. حين ذاك فقط بوسعي أن أعرف عددهم..!

أياك أن تعد الأصدقاء حولك وأنت في غنى ورخاء وثروة.. حين إذ الجميع معك ولك وقريبون كل القرب إليك ومنك..!.

أبناء يعقوب، كان قرارهم قتل يوسف غيلة وغدرا، وبأصرار من بنيامين أخوه الأقرب إليه وضعوه في جب.. وهو تحول من القتل المباشر إلى القتل بالتسبيب..! وحين كتب الله له حياة بقافلة أنتزعته من أيدي الموت.. باعوه عليهم بثمن بخس وهم فيه من الزاهدين..!

وكان معهم في بيتهم الكبير - يعقوب - الذي أبيضت عيناه من الحزن على أبنه يوسف، لم يرحموه، ثلاثين سنة كاملة.. لم تلين قلوبهم كراهية ليوسف وغيرة منه.. وقسوة عليه.. وضغينة له..

ولكن الحال تغير وتبدل.. إلى النقيض.. والضد لحظة.. قالوا لقد - آثرك الله علينا -! - أنعم الله عليك.. وأعطاك..!.

ورغم أنه أصبح ملك مصر وبيده خزائنها كلها.. مما يقتضي مزيدا من الغيرة والحسد والضغينة إلا أنهم بعد «الملك الظاهر» تحول الحسد العتيق في نفوسهم إلى طمع حاضر.. وندم صريح أظهروه له.. وطلبوا منه الرضا به، وقبوله ورهنوا مستقبلهم بهذا الرضا!

لم يصدر هذا أو بعضه لذاك الكهل الذي أعماه حزنه.. أبوهم يعقوب.. بل ظهر أمام المغدور الضحية بعد الثروة والملك والغنى..!!.

إن المقدار المتيقن من حاجتك المقضية عند الناس هي دفنك في التراب بعد موتك..! أو هكذا يجب أن تدرك الأمر.. لا تجرب أن تحتاج إلى أحد من المقربين إليك، علم نفسك أن تخسر الفرص التي لا تملك ثمنها علم نفسك على تقطع مسافة أطول لتروي من النهر ظمئك..

لا تراهن على أحد مهما حسن ظنك به وفيه..! علم قلبك اليقين بأن الناس، مجبولة نفوسهم على الشح والطمع وحب الذات.. وإن علاقتك بهم هي ضرب من ضروب رفقة الدروب.. عابر طريق.. مع قوافل العابرين.. ويجب أن تبلغ منتهاك دون أن تحتاج إلى أحد لأن وظيفتهم هي الأنس بك وأن تأنس بهم وليس أكثر من هذا..

أكتب هذا التصور بعد أطلاعي على وصية الأديب الكبير حنا منه - رحمه الله تعالى - رأيت فيها النفس العفيفة المكلومة بالعوز والفقر والحاجة.. ورأيت أنه كملايين من أمثاله - قتلهم الخذلان - والتخلي.. أقسى ما يمكن حدوثه وتصوره أن تكون فقيرا في ضعف، أو أن تكون محتاجا في عجز أو أن تكون بمسيس الحاجة للرحمة وأنت تعيش في جموع لا تراك لأنها لا ترى غير ذاتها السادرة في عمى الذات وظلمة الأنا..

قال حنا: ذهب زمان العتب.. والعتبى.. فقد حلت الراحة الموعودة بلغ ما كان يقصد، كل ألم مقيم راحته الموت، وإن كثيرا من الموتى ماتوا بخذلان المقربين.. دون أن يعلم أحد بذلك

ولكن لا يأتي في شهادة الوفاة التي تصدرها المستشفيات عادة الخذلان بصفته سببا مباشرا للوفاة..! غالبا تقيد الفعل المادي الذي أحدث الوفاة وأوجد الموت..!..

كل من قشور الثمار، وأوراق نبات الأرض، تقبل فقرك، وأحببه وعالج رغباتك بتركها، أمشي حافيا إن لم تجد نعلا، أستظل بيدك إن لم تجد ظلا..

ولكن لا تحمل في قلبك رجاء في أحد ممن حولك..!

لا تطلب شيئا من غير ربك.. وإن عجزت عن حمل شيء.. دعه مكانه وسر بعيدا عنه..

ولا تطلب من أحد أن يعينك على حمله.. إني أخشى عليك أن تموت بالخيبة وأن يقتلك الخذلان وانت في ضعف.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
طاهرة آل سيف
1 / 9 / 2018م - 12:22 ص
أشكرك على ماكتبت ، كم كان فيه من الدواء الشافي لمرض الخيبات من البشر على البشر ..