آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 11:54 م

عدو شريف أو صديق أحمق

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

الصداقة والعداوة مفهومان متداخلان ومتشابكان، كل يستمد من الآخر مفاهيمه ومواصفاته، وقد عدّد علي بن ابي طالب «كرَّم الله وجهه» معنى الصداقة والعداوة في عبارة بالرغم من قِصرها مشحونة بالعُمق والحِكمة فقال واصفًا اصناف الصديق «أصدقاؤك ثلاثة: صديقك وصديق صديقك وعدو عدوك»، وأما العدو «أعداؤك ثلاثة: عدوك وصديق عدوك وعدو صديقك».

إن المعيار في العلاقات التي تصنف الاصدقاء او الاعداء هو الشرف والميثاق، فلا يمكن ان يكون عدو عدوك صديقًا، ولا عدو صديقك عدوًا إلا اذا كانت هذه العلاقات على اساس الشرف والميثاق. ان المعضلة التي يعيشها عالمنا اليوم في علاقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي اضمحلال القيم التي تحكم الصراع والادوات التي بها يتصارع الاعداء. حقيقة الانسان وأصل معدنه تظهر في ميدان الصراع مع عدوّه؛ لأن الصراع شكل من اشكال المختبر الذي فيه تكتشف قوى الانسان الاخلاقية في هذا الميدان. التزام المرء بمبادئ الاخلاق وقيم الشرف والكرامة في ميدان الصراع مع العدو يعني ارتقاءه لمقام الانسانية والانحطاط لسلوك الخِسة والدناءة تعني الارتكاس في الحيوانية. القدرة على الارتقاء لمقام الانسانية في ميدان الصراع مع العدو يعني ان القيم والمبادئ هي التي تتحكّم في العداوة وأدوات تلك القيم هي التي تديرها، وذلك حقًا ما يُعرف بالعداوة الشريفة.

ان ما يُثير العجب في عالمنا اليوم هو احتدام صراع الاعداء على نصرة القيم الرفيعة والاخلاق الفاضلة. فشعار المتصارعين هو الديمقراطية والحرية والعدالة لكن ادوات الصراع الكذب والظلم والطغيان والاستبداد. ومن هنا تنشأ هذه الازمة الانسانية المحتدمة في ان الاهداف التي من اجلها تُسال الدماء وبها يدوم الصراع لا تنجب إلا عقمًا.

ان الصراع الذي لا تحكمه قيم ولا تنظمه مبادئ لا تنجب حقًا ولا تؤسّس عدالة مهما علا صراخها وقوة إعلامها. ان الذي يجعل شرف العداوة غائبًا وقيم الصراع معكوسة هو تكاثر الحمقى من الاصدقاء الذين يتجمهرون على طرفي الصراع، فبحمقهم تدوم اللا قيم وبه يتترس أهل الدناءة والدناسة في صراعهم اللا قيمي واللا مبدئي. لعل المفارقة الطريفة التي يرسمها المشهد العالمي هي تكاثر دعاة الحرية والديمقراطية والعدالة وتصاغر الحرية والعدالة وتضيقهما ولا عجب في ذلك، فما دام شرف الصراع ينزف على يد الحمقى فلا ينتظر ان ينجب الصراع إلا حيوانًا في لباس انسان. فلا تعقد أملا على شعارهم ولا تنتظر من صراعهم تحقيق عدالة.