آخر تحديث: 20 / 9 / 2020م - 1:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

تيار «على قَدّ فلوسهم»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

خرجت صباح الجمعة مبكراً لشراء بعض الحاجات، قابلني البحر بما فهمت أنها ابتسامة عريضة زرقاء.. مررت بالسيارة على شباب يلعبون كرة القدم بهمة وحماس تعلو أصواتهم وتعليقاتهم، كانت الجمهرة كبيرة فأربع فرق تلعب في الملاعب الترابية في آنٍ..

لا أتصور أن هؤلاء الشباب لا يعتصرهم اصرار جاد للتحصيل الدراسي أو المواظبة على العمل الدؤوب، فمن يستيقظ مبكراً مع اطلالة الشمس لديه استعداد لبذل الجهد، يبقى على المجتمع أن يوظف طاقات أبنائه توظيفاً حصيفاً أو قد يختار - عن قصد أو غير قصد - أن لا يوظف تلك الطاقات! وفي هذا السياق، فأكثر ما يأسرنا في علاقاتنا الانسانية هو الاهتمام وصدقه كاهتمام الابن بأبيه او الأخ بأخيه أو الصديق بصديقه، والاعجاب يتعاظم عندما تجد أحداً يتعامل بإيجابية وأريحية مع الصعوبات التي تواجهه هو أو أحد يهمه أمره؛ قبل أيام قررت بدء يوم العمل بقضاء بعض الوقت صباحاً في متنزه الواجهة البحرية على كورنيش الخبر. أخذت أتأمل البحر وأشعة الشمس التي كانت تقاوم الغيوم. لكن ما كان أجمل بكثير هو ما شاهدته على الأرض؛ شاهدت ثللاً من النسوة يجدون السير طلباً للتريض، والعديد من الأزواج يمارسون الأمر ذاته. كل هذا عادي، بل عادي جداً.. فالمنتزه مجهز بممشى عريض يمتد عدة كيلومترات.. ثم رأيت رجلاً يدفع سيدة مسنة على كرسي للمقعدين وبرفقته امرأة.. ومشهدا آخر لأب شاب يلاعب ابنه بالكرة، ساعة يتراكضان وأخرى يتمازحان!

من قرر أن يأخذ والدته المقعدة على كرسيها للبحر.. كان بوسعه أن يجلس في المنزل لكنه قرر أن يبذل جهداً اضافياً لادخال السرور على قلبها، والشاب الذي اصطحب ولده ليلعبا الكرة مبكراً قبالة البحر كان بوسعه أن يقضي ساعة اضافية في سبات عميق.. وقد يكون كلاهما مضطرين للخروج الأول بوالدته المسنة المقعدة والثاني بولده الصغير.. لكن اللافت أن كليهما كان هاشاً باشاً. وبالمقابل، هناك منا من يعتقد أنه «تورط» بأمه المقعدة و» تكبل» بابنه الصغير.. إذا هناك مسئولية وهناك موقف من المسئولية؛ فمنا من يمارس مسئولياته «هاشاً باشاً» بل ويتجاوز حدود الواجب ليقوم بها، وهناك من يمارس مسئوليته «بنفس شينة» وعلى «قد فلوسهم» مبرراً لنفسه عدم تقديمه أفضل ما عنده.

يأتي مع العام الجديد أمل جديد، فالصعوبات والمشاكل جزء مصاحب للحياة، كما قال المعري «تعب كلها الحياة»، والمتوقع هو الاقبال بروح متحدية مطمئنة للنجاح.. تماماً كما الصبية الذين يتبارون صباحاً والابن الذي يرفه عن والدته المقعدة والاب الذي يلاعب ابنه بالكرة.. كل هؤلاء تعاملوا مع مسئولياتهم بحماس وايجابية والاهم بانشراح تجسد بسمة وطاقة.. فلنقتد بهم.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار