آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 3:29 ص  بتوقيت مكة المكرمة

برنامج «بناء».. تجربة فارقة

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

”منتدى المغرب والمشرق للشؤون السجنية“، هو عنوان حلقة النقاش المغلقة، التي عقدتها ”أمم للبحوث والتوثيق“، في العاصمة الألمانية برلين، بمشاركة عدد من الباحثين العرب والأجانب.

المنتدى شهد عرضاً لتجارب موقوفين سابقين، في سجون عربية عدة. وجرى فيها استعراض الوضع الحقوقي والإنساني لأماكن الحبس والتوقيف، سواء فيما يتعلق بالخدمات الصحية والاشتراطات الإنسانية، وصولاً للحقوق المدنية والقضائية التي تضمنها له القوانين. كانت مشاركة غير عادية بالنسبة لي، وأنا أستمع لعذابات أناس تم توقيف بعضهم لأكثر من 12 عاماً، في ظروف صعبة جداً، لا تليق بالبشر!

مشاركتي في المنتدى كانت عن تجربة برنامج ”بناء“ الخاص بالموقوفين في سجن المباحث العامة بالمنطقة الشرقية، وهو البرنامج الذي يعمل على إعادة تأهيل ورعاية الموقوفين، تمهيداً لإدماجهم في المجتمع.

البرنامج الذي يعد ثمرة شراكة بين جهاز ”أمن الدولة“ والمجتمع المدني في المملكة، شكل مفاجأة للمشاركين في الحلقة النقاشية. كونهم أول مرة يستمعون لمعلومات وتفاصيل عن هذا المشروع، والتقدم الذي حصل في وضع السجون التابعة للمباحث العامة في المملكة، وولوج اختصاصيين اجتماعيين ونفسيين في العمل، من خارج المنظومة التقليدية للأمن!

أثناء النقاشات وفي بداياتها، اعتقد البعض أنني أعمل على الترويج للسياسات السعودية، أو بوصفي فرداً في حملة ”علاقات عامة“ تسوقُ سردية وردية تخالف الواقع. إلا أنه مع النقاش أدرك الكثير من الحضور أنني أتحدث عن تجربة فعلية، وليست ضرباً من الخيال. وأن هذه التجربة في طور التقدم والتكامل نحو الأفضل.

لا ندعي في المملكة أننا وصلنا إلى المستوى المثالي، وليست هنالك تجربة متكاملة في العالم أجمع. إلا أن الذي يحصل الآن هو عملية تراعي الكثير من أبجديات حقوق الإنسان للموقوفين، وتوفر لهم بيئة كريمة إلى حين انقضاء محكومياتهم.

هنالك صورة سلبية لدى المنظمات الحقوقية عن المملكة، وهنالك تواصل شبه مقطوع مع هذه الهيئات. وما نحتاج إليه هو أن ينكسر هذا الحاجز، وأن يكون هنالك حوار وفق لغة وأرضية مشتركة، بعيداً عن التسييس.

الحوار البناء، والبعد عن الإدانات والانفعالات، والعمل عبر برامج مشتركة، من شأنها أن تخلق بيئة صحية، تحترم حقوق الإنسان، وتوفر العدالة لأي موقوف، أياً كان جرمه. وهي الغاية التي يسعى القائمون على برنامج ”بناء“ إلى تحقيقها. فهدفهم ليس الانتقام أو العقوبة، وإنما الإصلاح.

في الجلسة الختامية للمنتدى، علق سجين عراقي سابق، وأستاذ جامعي حالي، بأن التجربة السعودية في ”بناء“ تستحق الاعتناء بها، وهو ما وافقته عليه ناشطة وسجينة سورية سابقة، وأيده رئيس الجلسة، الذي تمنى أن يشارك مدربون في البرنامج، في الدورة القادمة من المنتدى.

تجربة ستكون علامة فارقة، ولكي تصل إلى ذروة نجاحها وتتكامل قانونياً، اجتماعياً، وثقافياً.. على المجتمع والأهالي والمثقفين دفع النقاش حولها، وتشكيل حاضنة واسعة، تعزز من نتائجها، وتساعد خريجي ”البرنامج“ على مواصلة حياتهم بيسر، والمساهمة في بناء وطنهم بهمة وحكمة.