آخر تحديث: 26 / 5 / 2020م - 4:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ورقه من مذكراتي

مذاق فينا

زهراء البناي

هنا عطر الزهور، الساعة قاربت الثالثة من مساء الخميس 13 سبتمبر 2005م، أقف عند بوابة «volks garden» خضراء إنها حديقة

، حديقة الزهور المشهورة بفينا، أول رسالة، تستقبل روادها زهرة خلابة المنظر، تفوح عطر النهار المُشرق، هي، رسالة رقيقة الدفء، لا يدركها إلا الشعراء، لغة، لم تكن فقط الزهور، التي تتحدث هنا..، إنما كل كل قطره ماء، تأتي رسائل يقرأها الفنانون والشعراء، يترجمون وينظمون، يرسمون والعلم الحديث يصف الشعراء بأنهم أعقل الناس وأكثرهم إحساساً بالناس، الأشياء حولهم من نباتات وحيوانات..، كان الفيلسوف الإغريقي أرسطو، يقول: إن الزهور لها روح، هذه الروح، تنظم حياة البذرة حتى تصبح زهرة، ثم ثمرة، ثم شجرة رائعة، تنبض بالحياة وتنعش بها أرجاء الطبيعة.

ورقه من مذكراتي «مذاق فينا»نعم أنا هنا..، وهذا الذي أراه شعرًا، أن يقف رجل عند بوابة الحديقة الغناء شرفتها، يعطي كل زائر زهرة حمراء لونها، هي أجمل وأرق رسالة بأرقاها لغة جمالية، تسافر بين الشعوب، طريقة مؤدبة، حنونة، لإخراج كل من تسول له نفسه بقطعها الزهرة.

أنا الآن بين أشجار الصنوبر بألوانها الزاهية، تنافسها أشجار الأرز والبلوط حيث إطلالتها ساحرة، الآن، أنا فراشة، تحلق حول الأزهار، وتنثر قبلات الولاء والإيمان بكل هذه الآيات. لوحة فنية بتفاصيل عجيبة، تتخللها نوافير مزينة، تماثيل ومنحوتات رائعة، تشقُها بحيرات وبرك مائية أشبه بالقصص الخيالية، وحولها البط البري والأوز والطيور والأسماك الملونة، آه لهذه اللوحة الحية، حياة ذات النسائم العذبة، منظر حقاً، يستحق أن أخلده بفرشاتي وألوان، كعاشقة الريشة، والألوان.

نعم، بينما أنا أسبح عبر أرجاء سمفونية، تعزف أجملها ألحان، نغم الطبيعة العذب، فإذا بسيدتين، يتقدمهما السن وأعوام علاقة صداقة صقلتها الأيام، وبابتسامه تودع تحية رقيقة، اقتربا مني فاستأذنتني إحداهما حيث كانت تتحدث الإنجليزية بطلاقة أن ألتقط لهما صوره تذكارية معاً جنب النافورة، وكانت التقاطه قريبة، تنطق بعمق سعادتهما معاً، أعجبتهما الصورة كثيراً، وبكل ود سألتني بصورة أخرى بين الأزهار، استرسلنا الحديث مع بعضنا، عبرت لها عن مدى سعادتي وإعجابي بهذا المكان بين هذا الكم من الزهور متعددة الأشكال والألوان، فأخبرتني بأنها وصديقتها ألمانيتا الجنسية والولادة، وبأنها زارت الحديقة قبل سنوات عديدة، وهذه زيارتها الثانية، وتابعت الحديث بأنها كانت معيدة في الجامعة، تخصص نبات، استرسلت أكثر في الحديث عن أنواع الزهور وكأنها لامست شغفي بحب الزهور، لأوضح بإسهاب أنواع الزهور وأسمائها المختلفة ودورة حياة بعضها العجيبة، تنقلنا من زهرة النرجس إلى الديزي والأستر والزنبق، الأقحوان والأوركيد، نقلتني بقوة إلى عالم الورد وما يميز أوراق الصنوبر والأرز، اقتربنا من مقهى جميل في الحديقة، مزين بالزهور، فدعوتهما لمشاركتي القهوة تعبيرًا عن امتناني لحديثها الشيَق والممتع، ولكرمها بفيض كل هذه المعلومات التي تستوعب مجلد عن عالم الزهور والنباتات، عندما قاربنا أن نفترق، سألتني من أين أنت أيتها العزيزة، وبابتسامة حارة جاوبتها بأنني سعودية، وبكل ود جذبت ذراعي، وتربت على يدي بقوة وبين أحضان أم حنون أخذتني في حضنها، أيتها العزيزة نسمع الكثير عن معاناة المرأة في بلادكم، وبكل امتنان للطفها، أخبرتها بأن المرأة السعودية، تعلمت فن تخطي العراقيل، والسعي حثيثًا بزيادة تحصيلها العلمي والثقافي والفني، دعتني لزيارتها في بلدتها، القريبة من حدود النمسا، وأخذت بريدي الإلكتروني، لنبقى على تواصل، شكرت لها الصدفة الجميلة، عرفتني بأم حنون مثلها، تابعت حديثها عن فتنتها بهذه الحديقة منذ أول زيارة لها من أعوام، لتعرب بأنها من أجمل الحدائق، لما لها من تاريخ عريق، بكونها معشوقة من طرف الأرستقراطيين والطبقة البرجوازية النمساوية لجمالها الرائع الذي يأسر الألباب بقضاء العطلات، وإقامة الحفلات، منحتها ابتسامة حب لها، نعم هناك أحببتها.

أغنية عربية شهير، لمطربة مصرية قديمة زارت الحديقة، ويبدو أنها أسرتها، لتطلق أغنيتها المشهورة ”ليالي ألأنس بفينا“، حيث تعثرت الترجمة، الآن أضحك مداعبة لها، إنها حديقة فعلاً تأسر العقول، نصحتني بزيارة قصر هوفورغ، حيث الحديقة تقع في قلب هذ القصر، ووعدتها بزيارة في سبتمبر القادم، إن سمحت الفرصة، افترقنا، تنفست بعمق، إنها لحظة الخلوة مع فرشاتي وألواني، تخليد المكان بين أوراقي.

نعم، هذه السيدة غمرتني بطاقة وحماس، أشعر الآن بأني أكثر قرباً، الانتماء لهذا المكان، لدي معلومات كافية عن كل زهرة. استرقت نظرة إلى السماء، تنفست الصعداء، شكراً لك يا رب، إبداعك أسر القلوب وأضفى على جوانحي طمأنينة ودفء. في هذه اللحظة، شرعت الأماني أبوابها عشقاً بل ذوباناً في ملكوتك..، ليتني كنت زهرة بين الزهور، فلا أفارق المكان، طوعاً لتسبيحك ليلاً ونهاراً..، ليتني كنت ورقة بين الأوراق، فأنسج الدنيا بندائك..، آه، ليتني كنت سمكة بين الأسماك، أسبح في مياه إبداعك..، هي روحي تطير في فضاء ملكوتك، تلتمس هذه اللحظة، لتذوب في ملكوتك..، علمني يا معلمي، كيف أكون، كهذه الجماليات التي أبدعتها، علمني يا معلمي، كيف أكون قريبةً كقرب هذه النباتات لا تنفك برهة عن تسبيحك.

فتحت كراستي، نثرت ألواني على العشب الأخضر، بدأت بتوزيع الخطوط على أوراقي بشغف، ماذا أرسم، الزهور، أم الفاكهة بألوان الحياة الخالدة، بابتسامة رضا، وعيني على السماء، آه، ما أروع هذا المكان، ما أروع أن أستنشق هواء حبك هنا.