آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 7:12 م

حبات الرمل

الدكتور محمد المسعود

تريث يا سيدي فكل إنسان في أعماقه تناقض يعجزه ويغالبه وهو غالب، ويعانده وهو قاهر كلنا بالجهل ولدنا وإليه ننتسب ومن ضعف الطين الازب كانت النشأة الأولى ودخلنا الدنيا بالعري والعجز والضعف والجهل العميق. وفي كل يوم نبحث عن شيء يسترنا وعن شيء يقوينا وعن من يعلمنا قليلا من كثير ما نجهل، وما لا نحيط به ادراكا وفهما. وحسب الواحد منا أن يكون عارفا على الدوام بحقيقة الطين فيه، والضعف والعجز والعري والجهل منه

تريث يا سيدي فجوهر كل شيء يولد معه، وكل ذات حقيقتها فيها كالنواة في كل ثمرة أما أن وأنت فنحن احتمال وفرصة خلق لمعنى نخلقه في ذواتنا ونختاره مما نقول ومما نفعل، هذا الجوهر والكينونة لكل واحد منا لا تتماثل ولا تتكرر، لأننا من حيث نعلم أو لا نعلم نخلق جوهرنا من كل اللحظات التي نعيشها من كل فعل نفعله ومن كل كلمة نقولها، ومن كل عاطفة نخبئها ومن كل شعور نحمله، ولذا تتفاوت الرتب وتختلف مقامات القلوب، وتتعدد منازل النفوس فكل ذات هي جوهر يتعاقب عليها الظلمة والنور يتعاقب عليها الخير والشر يتعاقب عليها الذكر والغفلة، وحضور الله، وحضور الشيطان الرجيم.

والأكثر حضورا أقوى تأثيرا وبصفاته يتصف باطنك وبطبيعته يتكون جوهرك، ممارسة الكذب تجعلك كاذبا كصفة طبع، والغفلة الدائمة تجعلك مظلما وبها سيتصف باطنك وهكذا يتشكل الجوهر، وتتكون الكينونة لكل واحد منا على حدة كل حسنة لها تأثيرها ونورها، وكل سيئة لها ظلمتها وتأثيرها وهذا وحده علة العلل للقلق الدائم على خاتمة العمر ونهاية الطبع الأخير والصفة الأخيرة التي سيقبض الله الروح عليها

يا سيدي هذا يجعلني وإياك نخاف الحكم على أحد نخاف الجزم بالنجاة لنا، أو الهلاك لغيرنا..

روى القران الكريم قصة الخاتمة السيئة بعد طهارة طويلة الأمد ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف: 175]

لقد أرتفع ثم ارتقى وكاد أن يبلغ المراد وينتهي الى كل ما انفق عمره من أجله...! هنا حدث زيغ للقلب وأعرض نحو شهوة نفسه، فأعرض الله عنه

وبلغ العمر خاتمته وهو على هذه الحالة.!!

أكتب هذ يا سيدي القارئ..! حتى أنتهي وأياك.. إلى قناعة.. أن نرحم من زال عنه حجاب الستر، أو جاهر بمعصيته، أو تباعد قلبه، أو ضل طريقه..! فكلانا لا نعلم بما يختم له، وكلانا لا نعلم بما يختم لنا..

فلا تدري نفس ماذا تكسب غدا.. ولا تدري نفس بأي أرض تموت...