آخر تحديث: 14 / 11 / 2019م - 11:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

دار إيواء المسنّين.. ضرورة ملحّة وتصور إجتماعي سلبيّ

المجمع الصحي الاجتماعي بسيهات.. قصص إنسانية

جهينة الإخبارية زكريا العبّاد - مجلة الخط العدد (22)

قبل قرابة الخمسين عاماً كان رجل الأعمال الراحل الحاج عبدالله المطرود وبعد أن أسس قبل سنيّات قليلة مع مجموعة من المحسنين جمعية سيهات للخدمات الاجتماعية التي تعدّ الجمعية الأولى في المملكة «تأسست 1382 هـ»، كان يتفقّد احتياجات بلده ويتلمس نقاط الضعف لدى الفقراء محاولاً جهده سدّها، وبينما كان يفعل ذلك إذ فوجئ بأنّ أحدّ المسنّين الذين ترعاهم الجمعية وتقدّم لهم الدعم المادي لا يمتلك بيتاً يأوي إليه وليس له أقرباء يرعونه.

المجمع الصحي الاجتماعي بسيهات.. قصص إنسانيةأبت نفس الحاج عبدالله المطرود الرحيمة حينها إلا أن يستضيف ذلك المسنّ في بيته لكي يؤيه ويرعاه، ولكنّ رعاية المسنين ليس بالأمر الهيّن خصوصاً إذا احتاجوا إلى رعاية صحية خاصة، ولأنّ المرحوم المرحوم الحاج عبدالله المطرود داب على التفكير بشكل مؤسساتي استدعى ذلك أن تقوم الجمعية باستئجار بيت لذلك المسن بعد عدّة أشهر، وكان ذلك البيت هو البداية الأولى لفكرة المجمع الصحي الاجتماعي حيث ضمّ بعدها بفترة وجيزة ثمانية مسنين ممن كانوا يعيشون في الأكواخ دون رعاية.

تلك كانت حكاية المجمّع الصحي بسيهات والذي شهدّ بعدها تطوّرات ومر بمراحل حتى وصل إلى الحالة المتطوّرة التي يشهدها اليوم، حيث يحتوي على قسمين رجالي ونسائي إضافة إلى قسم مخصص لذوي الحاجة إلى الرعاية النفسية، ناهيك عن العيادات الخارجية وقسم العلاج الطبيعي.

إلا أنّ فكرة المجمّع الصحي لا تزال إلى اليوم فكرة يلفها شيء من اللبس والغموض وبحاجة إلى بعض من التوضيح للمجتمع الذي لا يزال قطّاع واسع منه ينظر إليه بسلبية «كدار للمسنين» مهمتها نبذ هؤلاء المسنين بعيداً عن المجتمع وعزلهم عن أسرهم التي رفضتهم وعقّتهم وأنكرت أفضالهم عليها.

وهي فكرة خاطئة نحاول من خلال هذا الموضوع الذي نلتقي فيه بعض نزلاء المجمع إضافة إلى أعضاء إدارته والعاملين فيه الكشف عن واقع هذه المؤسسة بموضوعية.

واجب ودَيْن

المجمع الصحي الاجتماعي بسيهات.. قصص إنسانيةنائب رئيس جمعية سيهات الخيرية محمد علي آل خليفة الذي روى لنا قصة بداية المجمع قال أن الفكرة تنطلق من مبدأ التراحم والتكاتف الذي يتمتع به مجتمعنا، فالجمعية ومنذ أن تأسست اخذت على عاتقها ايواء واحتضان ورعاية المسنين الذين لا عائل لهم أو الذين تنقصهم الرعاية والاهتمام من ذويهم، أو قد تعجز أسرهم عن تقديم الرعايه الصحية الكاملة لهم، فهإؤلاء المسنون بذلوا العمر كله لخدمة مجتمعهم وأعطوا زهرة شبابهم من أجل أن تكون لهم حياة كريمة في شيخوختهم.

وأضاف: الحديث عن المسنين من آباء وأمهات هذا المجتمع حديث جميل يحمل في طياته جوانب عميقة من الماضي العريق بالرغم من انه قد يصعب على أي إنسان فهم أوإدراك تلك الصورة جيدا.

ويذكّر آل خليفة باليوم العالمي للمسنين «الأول من شهر أكتوبر» الذي احتفلت به الجمعية مؤخراً، «فهو يومٌ للوفاء والعرفان ورد للجميل لهذه الفئة الغالية على نفوسنا جميعا».

ويؤكّد آل خليفة أن المجمع لا يقبل أي حالة إلا بعد دراستها بشكل دقيق للتأكّد من عدم وجود القدرة لدى العائلة للعناية بالمسن سواءاً من الناحية المادية أو من ناحية الوضع الصحي، وضرب مثلاً بالزيارة الميدانية الأخيرة التي أجرتها الجمعية للمستفيدين من خدماتها في شهر رمضان حيث تمّ اكتشاف أحدّ المسنّين في حالة مزرية من حيث النظافة ولا يوجد من يرعاه وليس له أسرة ما جعل الجمعية تعمل على إقناعه بالانتقال إلى المجمّع.

وأضاف «إن رعاية كبار السن دينٌ وواجب تمليه قيمنا الأسلامية والأنسانيِة، وهذا الواجب يجب أن يزرع في قلوب أحفادنا تجاه أجدادهم المسنين. فقد أعطونا الكثير من أجلنا وآجل أبنائنا. وقد طال بهم العمر ودب فيهم العجز وحان دورنا كي نمدهم بكل ما أوتينا من حنان وعطف».

ونفى آل خليفة الصورة السلبية التي يراه بعض أفراد المجتمع قائلاً «هدفنا هو أن نسعى لمشاركة الجميع من ابناء مجتمعنا للتواصل مع المسنين واحتضانهم بالمحبة والاهتمام ورسم البسمة على شفاهم والفرحة على وجوههم، المجمّع يبذل الجهود ويرسل بعض النزلاء لأداء العمرة، ويحرض على زيارتهم لأسرهم وزيارة أسرهم لهم، والرحلات إلى الحدائق العامة والكورنيش وشاطئ نصف القمر، وإشراكهم في بعض فعاليات كمهرجان الوفاء».

آخر العلاج

المجمع الصحي الاجتماعي بسيهات.. قصص إنسانيةالأخصائي الإجتماعي مكي عيسى آل خليفة الذي يعمل متطوّعاً في المجمّع استحضر نبذة عن تاريخ المجمّع حيث ذكر أنّ المرحلة الثانية له كانت في انتقاله إلى مبنى نادي الخليج القديم حيث كان يضمّ 20 حالة، وفي المرحلة الثالثة تمّ نقله إلى مبنى الروضة القديمة والمركز النسائي ليستوعب 120حالة، وفي المرحلة الرابعة الراهنة وصل المجمع الصحي الاجتماعي إلى مستواه الحالي حيث يعتبر صرحاً من صروح المنطقة في مجال رعاية المسنين ويضمّ 256 سريراً.

وذكر آل خليفة أنّ المجمع كان يضمّ عدداً أكبر من الحالات إلى ما قبل عشر سنوات ماضية حتى حين افتتاح مركز التأهيل الشامل ودار الرعاية في الدّمام حيث انتقلت بعض الحالات إليه وخفّ الضغط على المجمّع وأصبح المجمّع يرعى 84 حالة موزّعة بين 53 في قسم الرجال منهم 35 في قسم الأمراض النفسية والعقلية، 18 حالة شيخوخة وشلل، ويحتوي قسم النساء على 31 حالة منها 9 حالات أمراض نفسية وعقلية و22 حالة شيخوخة وشلل.

وأكّد آل خليفة أن المجمّع لا يستقبل الحالات إلى بعد أن يتوافر فيها شرطان وهما عدم القدرة على رعايته في المستشفيات حيث تطول فترة إقامته ويكتب له خروج وفي الوقت ذاته عدم القدرة على رعايته في المنزل. وبين أن هناك تنسق مع المستشفى ومع أولياء الأمور لكتابة تقرير من طبيب وأخصائي اجتماعي يتمّ رفعه لإدارة المجمّع.

وأوضح آل خليفة أن المجمّع ينسّق مع الجمعيات الموجودة في المنطقة مبيناً أن بعض الحالات ترغب الجمعية أو البيت في رعايتها ولكنها لا تستطيع تقديم الرعاية المناسبة. وبين أن الحالات المستقبلة عادة ما تكون من أسر ضعيفة الحال وقد يكون الأولاد غائبون والزوجة كبيرة في السنّ وتحتاج إلى رعاية.

وأضاف: قد يكون القرار بأن يتم الإقامة لفترة مؤقتة أو تقديم بعض الدعم في المنزل مثل التثقيف عن طرق الرعاية الصحية أو توفير بعض الأدوات كالأسرّة أو الكرسي المتحرك أو الخادمة أو العلاج الطبيعي، أو مساعدتهم على الحصول على المساعدة من الدولة، وعادة ما يكون الإيواء هو آخر العلاج.

عائلة واحدة

المجمع الصحي الاجتماعي بسيهات.. قصص إنسانيةوقال آل خليفة أن مرحلة البحث الإجتماعي تنتهي لتبدأ مرحلة أخرى يدخل فيها المسنّ في مرحلة دمج وأقلمة مع الوضع الجديد، وأوضح أن المسنّ يخضع في المجمّع إلى جملة من البرامج الصحية الشخصية كالنظافة والسباحة والبرامج الطبية ومتابعة التمريض والطبيب اليومية، والإشراف الغذائي من أخصائي تغذية، إضافة إلى برامج العلاج الطبيعي والبرامج الترفيهية.

وأكّد آل خليفة على أنّ الفريق العامل في المجمّع لا يتعامل مع النزلاء كحالات مرضية بل كأسرة واحدة ويظهر ذلك في طريقة تناول الغذاء الجماعية والرياضة الجماعية ما يجعلنا نبكي لفراق بعض الأشخاص حين تنتقل إلى جوار الله تعالى.

وأضاف: حين نرى أنّ الحالة قد تحسنت قد نقرر إعادتها إلى المنزل، إلا أنّ بعض الحالات التي تعاني من التخلف العقلي يصعب إعادتها إلى المنزل لأنّ حالتها تسوء بسبب عدم القدرة على متابعة العلاج معها في المنزل. هناك حالات تستحق التوقف والعبرة، طاقات هائلة وعقليات جبارة ذات مراكز قيادية تصاب بحوادث فتتحوّل إلى حالات عاحزة ونزلاء بجاجة إلى الرعاية.

وأكّد آل خليفة على أنّ خطأ الصورة السلبية القائمة على أنّها دار للإيواء فالصحيح أنها دار لرعاية المسنين الذين يحتاجون إلى رعاية خاصة فبعضهم بترت ساقه بسبب مرض السكري وهو بحاجة إلى متابعة دقيقة ومستمرة لإبر الإنسولين في الوقت الذي يكون في الأبناء في أعمالهم. الخوف من المجتمع قد يدفع الأهل إلى الإضرار بالمسنين حين يبقونهم في المنازل. بعض المسنين يصرون على دخول المجمّع ويشكروننا كثيراً، لأن المجمّع أراح أسرهم من عبئ يفوق طاقتهم.

نزلاء من شتى المناطق

المجمع الصحي الاجتماعي بسيهات.. قصص إنسانيةمدير المجمع الطبي علي آل زواد قال أن المجمع شهد منذ افتتاحه العديد من التطورات وهو مقبل مراحل إضافية من التعديلات الهيكلية، وأكّد أن زيادة الوعي الصحّي في المجتمع أدّت إلى قلة الحالات النفسية إضافة إلى افتتاح العيادة السلوكية ضمن برنامج الرعاية الصحية الأولية التابع لوزارة الصحة والذي يعمل على الكشف المبكّر لمثل لعيوب السمع والنطق والحالات السلوكية.

وعن نزلاء المجمّع قال آل زوّاد أنّه يخدم نزلاء من شتى مناطق المملكة كالأحساء والقطيف والدمام والطائف وجيزان ومن البحرين، كما أنّ المجمع يتقاضى رسوماً رمزيا تختلف بحسب الحالة المادية وقد يكون مجانيا لبعض الحالات. كما أنّ المجمّع يقدّم بعض خدماته على مستوى المنازل. وهناك تنسيق مع المستشفيات، مستشفى القطيف المركزي مثلاً هناك حالة تعيش منذ سنة ونصف في المستشفى وأقرباؤه يرفضون أخذه رغم أنه مؤهل للخروج، هناك تنسيق حالياً مع المجمع لاستضافته.

وبين آل زواد أن صلة النزيل بعائلته ومقدار زياراته لهم في المنزل تتأثر بحالته الصحية فهناك زيارات في الجمع والأعياد لكن هناك على سبيل المثال معاناة تخص مرضى السكر والضغط حيث لا يتمّ الالتزام بالبرنامج الغذائي لهم في المنزل ما يضطرنا إلى إرسالهم إلى المستشفى أحياناً لإعادتهم إلى وضعهم السابق، ولكننا نوجه النصائح للأهل بضرورة الزيارة المتكررة.

حكايات النزلاء

المجمع الصحي الاجتماعي بسيهات.. قصص إنسانيةالتقينا ببعض نزلاء المجمع ومنهم المسن إبراهيم الهاشم من سيهات الذي أبدى سعادته بما يلاقيه من رعاية شاملة، وقال أنّ سبب مجيئه للمجمع هو حالته الصحية وعدم توفرها في البيت، وأوضح أنه يقوم بزيارة الأسرة والأصدقاء لأكثر من مرة في الأسبوع لفترة كافية تمتد من العصر حت العاشرة مساءاً. ونفى أن تكون الحياة في المجمع مملة وقال أنها «جميلة»، وقال أنه ذهب إلى العمرة 3 مرات خلال 9 سنوات قضاها في المجمع، وأنه يتمتع بعلاقة صداقة مع بعض النزلاء والإداريين.

السيد سعيد القفاص كان إداريا في أحد الأندية الرياضية في القطيف يسمى «البدر» وحالياً يسمى الترجّي، فاقد للبصر، استغل فرصة وجودنا لينشدنا شيئاً من الشعر عن صفات أيام الأسبوع ومزاياها وما يناسبها من الأعمال العظيمة والبسيطة. ثم شرع في الحديث عن الأندية الرياضية الحالية وشغفه بنادي الشباب، وذكرياته مع الأندية القطيفية قديماً حيث كان الشجار العنيف يشتعل بين فريقي «البدر» و«التآلف» ما يؤدي إلى سجن اللاعبين. ويتذكر كيف كان في إحدى المباريات يوزّع الحلاوة على الأطفال المشجعين لفريقه لتحفيزهم ما تسبب في الفوضى بينهم ودعى الشرطة إلى احتجازه.

أما السيدة زهراء بزرون التي بدا أنها في قرابة الثمانين من عمرها فهي تختزن في ذاكرتها العديد من القصص القديمة التي كان الأقدمون يروونها وقد بدت مستغربة لوجودنا في البداية إلا أنها سرعان ما استجابت لدعوتنا وشرعت في سرد قصصها التي تحكي عبق الماضي منها حكاية بدت خرافية تحكي عن جنّ وإنس تستحمّون في عين واحدة وتصل بينهم بعض المواقف الطريفة التي يعبّرون عنها شعراً، وبذات الطرافة كانت حكاية «العصيدة» التي تنافس عليها أفراد عائلة فقرروا أن من يأتي بأفضل الأبيات في العصيدة هو من يستحقّها.