آخر تحديث: 22 / 8 / 2019م - 8:38 م  بتوقيت مكة المكرمة

باب ما جاء في ”الأستذة“..

عادل القرين

بداية دعونا نُعرف ما معنى ”الأستذة“ بمنظورٍنا المُتعارف، ولهجتنا العاميٌة والدارجة..

 هي ادعاء المعرفة في كل مطروحٍ، وبلورتها لزاوية الذات ولفت الثبات.

 هي ادعاء المعرفة الشاملة وانتقاض الآراء «المُفاحلة».

 هي ما يكثر بها الاستشهاد بأنا وأنا، وبرأيي، وحسب اطلاعي، للوصاية الدامغة، والغاية «النابغة».

 هي ما يُكثره كل مُدعٍ بالفضل، وتشكيل الفصل.

 هي لكل من يستحوذ على وقت غيره بإظهار نفسه بكثرة المقاطعة الغير مُبررة «بالميانة، أو أنا راعي مكان»، أو أي مُسمىً كان وسيكون.

 هي لكل من تتغير ملامحة لكلام غيره، وحينما يتمكن من المقام يُدخل نفسه بكل شيء..

كما هو حال الخيط في ثغر الإبرة!

 هي من يُميّع سؤال هذا لطرف ذاك بأسلوب مُقنّع وتشكيلٍ مُلمع..

ليجيبه صاحبه بنفس السياق المُستهدف لبريق المصلحة الثقافية أو الاجتماعية ونحوها.

 هي من يدعي لولا وجوده لساخ العلم والمعلوم، وتغربل الجزم والمجزوم.

والسؤال الهام هُنا:

كيف تتجذر وتظهر هذه ”الأستذة“؟

حقيقة، تظهر في عدة جوانبٍ وأماكنٍ منها:

1/ جهل الحضور بالشخصية الشاخصة أمامهم.

2/ معرفتهم للشخصية، ولكنهم امتهنوا «ابتسامة التسليك، وسخرية عطه جوه مزام فيها أكل وتصوير»!

3/ اعتادوا الوصاية، ولبس العباية.

4/ حب الوجاهة؛ «وعطه القيمة تتنومس بالغنيمة».

5/ المصالح المشتركة بين المُعد، «والأدفانس/ Advance» المُهاجم.

من باب الاستشهاد: كُنا في مقهىً شعبي، فتحدث أحد الإخوة عن شخصيةٍ ما في بيانه وكيانه، وأطره بالأفضلية بالعرض والإلقاء، وكذلك العُمق في كلامه ومُحاضراته..

فرد أحد الحضور بالسؤال: وهل من امتدحته بهذا يقبل السؤال والمداخلات؛ ومن أين لك هذا؛ أم أنه يرمي وصايته من على الكُرسي، ويدعي الانشغال على «التبسي»؛ «ويا نار شبي من ضلوعي حطبكِ»؟!

فاستشهد من بالجوار بذات السياق بالجلسة: كان عندنا أحدهم في مجلسنا المُقام كالمُعتاد ليلة الأثنين، فأخذ هذا يُصعّد هذا، وينتقص من ذاك؛ والجميل في الأمر أن البعض أخذ يُصور ويُسجل حديثه عبر برامج التواصل الاجتماعي؛ وحينما أتيت من عملي الراهن كان يجلس بعد الانتهاء للدردشة وما يُسمى بالنقاش، وأخذت أستفهم عما طرح في ذاك الأسبوع!

فرد عليّ ونظراته «كقيص الكيرم»: المقام لا يسمح الآن، وادعى الانشغال وهرب من المجلس في آنه، وألقى ما تبقى له من باقي العقد المبرم بالليالي المتفرقة، وكلف أحدهم بالرد الممغنط عنه!

نعم، قيمة المُتحدث حينما ينزل بين الناس، ليُشاركهم حديثهم، واستفهامهم، وتعجبهم، وهمهم، فعنوان الغاية إظهار الدراية، وصدق من قال: ”مفتاح العلم السؤال“.

أجل، ”الأستذة“ الحقيقية، «هي/ هو» من يُحرق نفسه كالشمعة التي تُضئ طريق العتمة، بالنزول لألبابهم، ومستوياتهم، وقناعتهم، والنهوض بها للأسمى والأجمل.. لا أن ”نأخذ من أكياسهم ونُعيدّهم“، كما تناوله هذا المثل الأحسائي المعروف والمُتعارف.. باستغلال مالهم، واستغفال جُهدهم، ووقتهم، وطعامهم.. لتسليط الأضواء على المآرب المُعتادة.

ختاماً:

ليست الثقافة أو العلم كثرة الاستشهادات، وتأطير القناعات، وجمع الفُقاعات، وصعوبة المفردات، كيما يبين لنا نُضج علامه، وبهاء سلامه..

الثقافة بالمُجمل المُختصر كسب العقول بكل التجليات المعلومة بالاحترام والاهتمام، وعدم ادعاء الانشغال..