آخر تحديث: 23 / 9 / 2020م - 1:44 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الحرب على غزة والردع الفلسطيني

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

ما أشبه اليوم بالبارحة، ففي نهاية عام 2008، شنت إسرائيل عدوانها الهمجي على قطاع غزة، حيث مارست أساليبها الممنهجة المعتادة بشكل وحشي ومدمر، مستهدفة البشر والحجر والشجر، وقد ذهب ضحيته الآلاف من القتلى والجرحى الفلسطينيين، ناهيك عن تدمير البنى التحتية والمباني العامة والمساكن والمزارع، ولم تسلم حتى المستشفيات والمدارس والمقرات التابعة للأمم المتحدة، على النحو الذي شاهده العالم ووثقته مراكز الرصد والتقارير الحقوقية الدولية ومن بينها تقرير ممثل الأمم المتحدة ريتشارد غولدستون «رغم كونه يهوديا».

وهي اليوم ومنذ يوم الأربعاء 14 نوفمبر الجاري، تكرر إسرائيل عدوانها الآثم على غزة، موقعة المئات من القتلى والجرحى الفلسطينيين «حتى الآن» وغالبيتهم الساحقة من المدنيين العزل ومن بينهم عائلات بأكملها، ناهيك عن تدمير المقرات الحكومية والمنازل الخاصة ولم يسلم حتى الجسم الإعلامي حيث قتل ثلاثة صحافيين ودمرت المقرات الإعلامية.

هذا العدوان المبيت عشية الانتخابات الإسرائيلية المبكرة، كان المراد منه الإمساك بورقة رابحة بيد الثلاثي القتلة، نتنياهو وباراك وليبرمان ومعهم الائتلاف اليميني المتطرف الحاكم، من أجل تعزيز فرصتهم بتحقيق فوز سهل، غير أن حساب الحقل خالف حساب البيدر، فالنتائج جاءت عكسية ومخيبة لآمالهم وأوهامهم العنصرية البغيضة.

المفاجأة هنا لا تكمن في العدوان الإسرائيلي واستهدافاته المباشرة وغير المباشرة، والتي كان من بينها اغتيال أحمد الجعبري نائب القائد العام لكتائب عز الدين القسام الذراع المسلح لحركة حماس، أو في قتل وإصابة مئات المدنيين الفلسطينيين وتدمير المقرات الحكومية والمنازل الخاصة، المفاجأة هذه المرة كانت فلسطينية بامتياز، إذ لأول مرة في تاريخ الصراع الإسرائيلي/ الفلسطيني بوجه خاص، والصراع الإسرائيلي/ العربي بوجه عام، تستهدف مناطق ومدن مهمة في العمق الإسرائيلي بالصواريخ الفلسطينية.

صحيح إن صواريخ حزب الله وصلت إلى مدن ومناطق إسرائيل الشمالية، بما في ذلك مدينة حيفا في حرب تموز 2006، وجرى التهديد بضرب مناطق ومدن ما بعد حيفا، لكن ذلك لم يحدث. هذه المرة وصلت صواريخ المقاومة إلى قلب مدن تل أبيب والقدس وغيرها، كما طالت المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

بغض النظر عن تقدير مستوى وحجم التأثير المادي لتلك الصواريخ في ظل توازن القوى العسكري ليس بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية فقط وإنما بين إسرائيل ومجموع القوى العسكرية العربية «إذا أخذنا ترسانتها النووية» مجتمعة، والذي هو في صالح إسرائيل بشكل مطلق، غير أنه لا يمكن تجاهل الصدمة والتأثير النفسي والمعنوي التي أحدثتها الهجمات الصاروخية الفلسطينية لدى صناع القرار والشارع الإسرائيلي بوجه عام. إذ لأول مرة في تاريخ المقاومة الفلسطينية يحدث أن تمتلك سلاح ردع «بغض النظر عن مدى فاعليته التدميرية حتى الآن» في مواجهة العربدة الإسرائيلية، حيث اضطر مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى الاحتماء في الملاجئ، ولم تستطع القبة الحديدية، وقوات الجيش الإسرائيلي الذي كان يوصف بالجيش الذي لا يقهر من إيقاف الصواريخ الفلسطينية التي أدخلت عليها تحسينات نوعية من حيث دقة التصويب والمدى..

السؤال المطروح هنا هو: هل يكون العدوان الأخير على غزة، فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار لدور المقاومة «المسلحة والمدنية» الوطنية، وبما يمهد الطريق لتفجير انتفاضة مدنية ثالثة في الضفة الغربية؟، بطبيعة الحال هذا يتطلب جمع الشمل الفلسطيني وتحقيق المصالحة الفلسطينية الداخلية وخصوصا بين حركتي حماس وفتح، وذلك على قاعدة دحر الاحتلال، والتمسك بالحقوق الفلسطينية الثابتة في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة منذ حزيران / يونيو 1967 وبعاصمتها القدس الشرقية وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين، كما يتطلب الارتقاء في موقف النظام العربي الرسمي وتفعيل دور الشعوب العربية كافة في مؤازرة الشعب الفلسطيني بشتى أشكال التضامن والدعم المادي والسياسي، كما يتطلب اتخاذ مواقف جادة وقوية إزاء القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية الداعمة لإسرائيل وسياساتها العدوانية والذي جاء استخدام الفيتو الأمريكي الأخير ضد مشروع القرار الروسي بالوقف الفوري للعدوان الإسرائيلي ليفضح مرة أخرى مدى الانحياز الأمريكي الكامل لسياسة إسرائيل العدوانية ضد الفلسطينيين والعرب جميعا.