آخر تحديث: 23 / 9 / 2019م - 12:24 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإجبارُ الناعم

ليالي الفرج * صحيفة الرأي السعودي

تكثرُ أصواتُ انتقادِ ظاهرة التبذيرِ والمبالغات الفارهة في حفلات الزفاف، ورغم أن هناك خطوات خجولة لكسر ذلك القالب للخروج من إطار الصورة الفاقعة التي أَلَفناها في التباهي بهيئةِ ومستوى حفلِ الزفاف، إلا أن هناك مساعي لتغيير هذا الواقع، وترك بصمات واعية مغايرة للآخرين بلمسةٍ مبتكرةٍ وبعيدةٍ عن التبذير، غير أن زفاف“مرام”كان مختلفاً، لم تكن تلك المبالغة للتباهي، لكنها لِسَدِّ فَجْوة الرغبة في حياة جديدة وبناء مستقبل عائلي قادم، فالجميع في حالةِ بحثٍ عن صور مستحدثة لطقوسِ زفافِها، حتى وإن كانت تلك اللمسات مُكلفة بما يفوق إمكانات العائلة، لكن ذلك لم يحرك فيها الرغبة في اختيار ما يحلو لها من تجهيزات كأي عروس في ليلةِ العُمر، ولم تكن تلك التجهيزات العالية المستوى سبباً لقشع زخات المطر الأسود من عينيها الذابلتين، وكيف للفرح من سبيل! لقلبِ فتاةٍ في مقتبل العمر، وجدت نفسها في حُفرةٍ يَصْدق عليها وصف حُفْرة وأد البنات، وبصيغة أدق، وأد القلوب والمشاعر الأنثوية.

تُجْمِعُ العائلةُ كُلِها على وأد قلبها الفتّي، ويُحْكَمُ على معالِمِ أنوثتها أن ترنوا نحو زوج كان قبل عامين شريكاً لحياة أختها التي توفاها الله! وتركت إرثاً من جمالِ الطفولةِ“ريم وأحمد”.

ورحمة لتلك الطفولة ولنشأةٍ مستقرة في كنف الأبِ والخالةِ“بديلة الأم”كان ذلك مصدر هذا القرار الذي هو كوقع الصخرِ على روحها، أقنعوها بصيغةِ الإجبارِ الناعم، والصراخ الهادئ، أن لا خيار لها سوى أن تتقمص دور الأم الراحلة، وترتدي رداءَ المربِّيةِ الفاضلة المتفانية، وإلا ستدخل في دائرة الإجحاف، وانعدام الإخلاص لتلك الروح التي رحلت لبارئها، ولأن“مرام”أنثى، وقلب الأنثى كما يَصْدق عليه التشبيه القديم، بأنه يشبه الصحراء الشاسعة التي تُتَخذُ ساحةً للحروب، فتنال ما تنالهُ من مذابح، فتُقتلع شُجيراتها، ويُحْرق عُشْبَها، وتُلَطَّخُ صخورَها بالدماء، وتُغرس في تربتها العظام والجماجم، لكنها بعد كل تلك الصور البشعة، تبقى تلك الصحراء هادئة ساكنة مطمئنة، ويظل قلبها سَيْحُ عطاءٍ وإيثار.

فكم من آباء بَتَروا شريانَ حياةِ أبناءِهم دون أن يتقصّدوا أذيتِهم!

تتعدد صور قسوة الآباء على الأبناء، فبعضها قرارات لا واعية، ورغم أن الظهور لا يوحي بواقع الحال، إلا أن قلوبهم تحبسُ دفء المشاعر وخلود الحب الفطري، فيما أن القرارات العقلانية في بعض الأحيان نتائجها قاتلة لكيان الأبناء، فيذبحونهم من حيث لا يشعرون.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد جاسم
[ الأحساء ]: 10 / 2 / 2019م - 9:01 م
هناك زاوية أخرى ننظر منها لنفس الحالة.
غالباً الخالة تحمل لأطفال أختها نفس الحنان فلو كانت بديلة الأم امرأة أخرى غير الخالة فهل ستحن على هؤلاء الأيتام؟
هل جربت اليتم يوماً؟
هل فقدتِ أحد والديك في الصغر؟
هل رأيت خالة تقسو على أيتام أختها؟

ثم كيف عرفت بأن مرام قد أجبروها بنعومة للزواج من أرمل أختها؟
وكيف حكمتِ على حاضر و مستقبل هذه العلاقة؟
كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.