آخر تحديث: 20 / 9 / 2020م - 1:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الوعاظ.. وإعلان الحروب

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

قصة الوعظ والوعاظ قديمة جدًّا، وبعيدة جدًّا في التاريخ الإنساني، وكان الفلاسفة في مراحل تكوين الوعي، ويقظة العقل، قد صنفوا هذا القسم من الناس ـــ باللسان الطويل ـــ!

وبعض الفلاسفة يرى أنهم فئة من الناس تغلب عليهم العاطفة والحماسة فيما يؤمنون به. وغالبا ما يكونون خطرين جدًّا على المجتمع، إن كانوا أكثر جهلاً ممن يستمع لهم ودون حكمة!

إلا أن النظرة للوعاظ كانت محل تقدير وتعظيم عند المسلمين، لكون الواعظ، يحمل المثل العليا، ويزحزح الناس عن الدنيا إلى الآخرة. ويذكرهم بالله في باطن القلب، وظاهر السلوك. وتسامي الغاية والعقل.

إلا أن الجانب الواقعي لهذه الفئة اليوم، بات مشكلة حقيقية، في كل شيء! بات الكثير منهم معضلة فكرية وسببًا في تكوين أزمات سياسية مع الجيران؛ ربما لكون ـــ السطحية ـــ هي صفة غالبة لكثير منهم..!

إن الواعظ مجرد ـــ ذاكرة ـــ وصوت.. وإشارات خطابية. فهو يحفظ الشواهد والنصوص، وبعض وقائع التاريخ، لينسقها بتصنيف موضوعي، لينتهي إلى ترسيخ فكرة ما.

هي غالبًا معروفة لدى الجميع، إلا أنه يذكر الجميع بها مرة أخرى بطريقة مختلفة، الكرم، التسامح، العطاء. والكثير. هنا.. يسرد قصة كرم الصحابي الفلاني.. والواقعة التاريخية.. والشاهد القرآني. وبذا تتم الخطبة وينتهي الكلام.

إن الحافظ لا يتوقف عند النص لمناقشته في السند أو الدلالة، حتى في هذه هو ناقل لمن يقول بالصحة، ولمن يقول بغيرها!

وبهذا يقل من الواعظ غالبًا ـــ التبصر والتفكير ـــ الذي يستند إلى ''عملية استنباط'' تقوم على مقدماته العلمية والأولية. لكونه في حقيقة مستواه العلمي، ومراتبه العقلية دون القدرة عليه، وأقل من بلاغه، أو الانتهاء إليه!

لذا؛ ليس مستغربًا أن يتحول الخطيب أو الواعظ إلى ''عقل انتقائي''. فهو معتاد على أن ينتقي الشواهد التي يريد، والدليل الصالح لتعزيز فكرته، حتى لو كان إلى جواره دليل أقوى منه يبطله ويعارضه، حد إسقاطه من الاعتبار في الاستدلال لكونه متعارضًا مع ما هو أقوى منه!

لذا يشاع عند الخطباء توظيف، المراسيل في كل شيء! القصص التي لا سند لها، والوقائع التي يمتنع بحكم العقل والفطرة السليمة قبول حدوثها، أو الرضا بكونها حقيقة. بالتوصيف المثالي الذي يستمتع الواعظ بروايته!

وبمقدار الغلو والمبالغة يتباعد الناس عن اتخاذه قدوة ونموذجًا!

من الطبيعي في مثل هذا السياق الفكري، والتوظيف العقلي أن يتحول ـــ الخطيب ـــ إلى إنسان حالم، يروي للناس الأحلام، والملائكة التي تقاتل في صفوف الجهة التي يرغبها وتقتل العدو الذي يكرهه!

وطبيعي أن يروي قصص المليونير الذي خرج كل ما يملك بثلاث وجبات من العدس! قال إنها تكفيه ليوم واحد؛ لكونه ليس على يقين أن يعيش أكثر من ذلك!

إن أكثر الوعاظ لا يُدرك أن الجمهور بات أكثر معرفة، وأكثر علمًا، وأكثر بصيرة! وإن أكثر الوعاظ لم يعد يبصر أن الصيرورة جعلت المعرفة رغيف خبز يأكله الجميع، وهو متاح للجميع، وفي كل مكان!

وأن من يفك الخط تحول إلى أمي أمام من يفك العالم بلغات متعددة. وباتصال لا يتوقف عند مكان، أو زمان! وإن أكثر الوعاظ لا يرى نفسه إلا وهو متعاليًا، يتكلم وكل من حوله يسمع قوله، ويقول وكل من حضره يؤمن على قوله! دون أن يبصر أن العيون اليوم مبصرة، وأن الآذن واعية، وأن الرجال فيهم العاقل والرشيد، أكثر من الهمج الرعاع الذين يميلون مع كل ريح، وينعقون مع كل ناعق!

وربما لهذا السبب المتصل، بكون أكثر الوعاظ يركز على الحماسة والعاطفة والتأثير، أكثر من العلمية، والمعرفة، ومشروع الصلاح للنفس البشرية بحقيقة تهذيب النفس والسلوك إلى الله، وتبني مشروع الإصلاح لواقع الناس في كل ما داخله فساد، وبغي، وظلم، ومنكر.

لا غرابة في هذا المشهد، أن يتحول ''واعظ'' إلى قائد القوات المسلحة، والقائد الأعلى لسلاح الطيران، ووزير دفاع ليعلن ـــ الحرب ـــ على دول محددة يسميها!

من خلال تحمير الوجه، والصوت الذي يتحول إلى صراخ، وأحيانًا قطع الخطبة لكونه داخلته ''نوبة بكاء مريرة''! إن هذا لا يمكن أن يحدث في أي مكان! ولا في أي دولة، الجميع يعرف أن الحروب لها تكاليفها، ولكل دولة موازين قوى تحكمها وتتحكم في قرارها، وأن للسياسة رجالها، وللموعظة أهلها.

وليس من المقبول ولا من المعقول أن يجعل واعظ نفسه ولي السلم والحرب لاعتبارات هو يراها، ولتصور هو يقرره.

إن بعضهم..

يسقط من على ظهر حمار..!

ويعجز عن جمع ثلاثة رجال حوله.. بسيوف من خشب..!

وهو يرفع عقيرته.. يهدد كسرى.. وقيصر..!

وهذا تهريج.. لا يرغب فيه أحد..!