آخر تحديث: 20 / 9 / 2020م - 1:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

صباح الحلم.. يا صديقي!

حسن السبع صحيفة اليوم

صباح الحلم.. يا صديقي. فلا نملك، ونحن على بوابة عام جديد، سوى أن نحلم بغدٍ واعد، وأن نراهن على هذا الغد بكلمات ترشح تفاؤلا.. غدا، يا صديقي، تختفي من حياتنا كل المظاهر التي كدّرت خاطرك. سوف نتفوق على أنفسنا انضباطا وشعورا بالمسؤولية، وسنعتبر مدينتا بيتنا الكبير، فنحافظ على جمال وأناقة هذا البيت، سوف نحرص على نظافة وسلامة مرافقه العامة، كما نحافظ على ممتلكاتنا الخاصة. سنضع النفايات في حاويات سَقْط المتاع، لكي لا يتحوّل الرصيف أو الشارع أو المتنزه إلى برميل قمامة. وسوف نردد مع فايزة أحمد قولها: «بيت العز يا بيتنا.. على بابِكْ عِنَبتنا»!

غدا.. نخيّب ظنَّ «جولدا مائير» فنقف في الطابور بانتظام، ومن دون تزاحم أو تدافع. وقد تختفي ظاهرة الطوابير من حياتنا، بعد أن يتطور أداء مؤسساتنا الخدمية. وغدا.. نحسب للوقت حسابا، فلا تصدق علينا عبارة شكسبير القائلة: «أمس ضيَّعتُ الوقتَ، واليوم الوقتُ يضيعني» سنحترم مواعيدنا، ولن ننتحل العذر عند كل موعد، سنغلق محلات بيع الأعذار إن وجدت، ولن نعلّق إخفاقاتنا على مشاجب لا وجود لها إلا في رؤوسنا.

غدا.. نتعلم كيف نبتهج ونحيي مناسبات الفرح بطريقة راقية، كي لا تتحول مباهجنا إلى آلام، وأفراحنا إلى أتراح. وغدا.. يختلف تعاملنا مع وسائل الاتصال الحديثة، فنتعامل مع الهاتف باعتباره وسيلة اتصال، ومع السيارة باعتبارها وسيلة نقل. سنراعي أنظمة وقواعد المرور، فنخفف من نسبة الحوادث، ونقلل ما أمكن من استخدام بوق السيارة، لنساهم في خفض نسبة التلوث الضوضائي. لن نوقف سياراتنا أمام «مرائب» الآخرين، أو أمام الأماكن التي يُحْظر فيها الوقوف. غدا سيكون لدينا من الوعي ما يكفي لنكون رقباء على أنفسنا، ومن الأنظمة الواضحة الصارمة الحازمة ما يكفل تحقيق ذلك. غدا.. يهدأ الضجيج المثار حول الأرومة والأصول والأنساب والبطون والأفخاذ، والعيش على أمجاد الماضي للتعويض عن حالة إفلاس حاضرة. سوف تتلاشى تلك الطنطنة باعتبارها مشروعَ من لا مشروع له. وسيؤكد الإنسان وجوده من خلال فعله وإرادته ومشروعه الخاص. غدا، وبفضل الوعي الجديد، ستغلق سوقُ الأوهام أبوابها، ولن نبحث عمّن يفكر نيابة عنا، لذلك لن يجد نجوم «تويتر» ولا حُواة الفضائيات من يصغي إلى ثرثرتهم، وغدا تتغير عناوين القضايا التي تشغلنا، لتتناغم مع إيقاع الحياة الجديدة. لن نناقش، بعد غد، مسائل تجاوزها الزمن، وسننصرف إلى العمل والإنتاج.

غدا.. نتقن فنَّ التعايش، ونجيد أصولَ الحوار، فننبذ كل مظاهر العنف اللغوي والجسدي من حياتنا، ونترك الماضي وراءنا متطلعين معا إلى المستقبل، وفي الذاكرة عبارة لأحد الشعراء تقول: «لا تعد إلى الوراء حتى مع الشمس»! غدا.. يحب بعضنا بعضا، ونكرس كل ما هو جميل ومشترك بيننا، وكأننا من عناه نزار قباني بقوله: «الحبُّ في الأرض بعضٌ من تخيّلنا، لو لم نجدْه عليها لاخترعناهُ».

غدا.. نتخفف من غلواء العاطفة، ونحتكم إلى العقل، ونقف، بين حين وآخر، وقفةَ مراجعةٍ ونقدٍ للذات.

مازالت سحابةُ حزنٍ تخيم على وجه صاحبي، رغم كل تلك الوعود الوردية الزاهية التي نثرتها بين يديه، ولينسف جسور التفاؤل التي بنيتها، التفتَ إلي مرددا قول بشار بن برد: «ترجو غداً، وغدٌ كحاملةٍ/ في الحي لا يدرون ما تلدُ»!!