آخر تحديث: 23 / 9 / 2019م - 10:18 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الانتقام.. العقلانية

محمد أحمد التاروتي *

الانتقام يعمي البصر، ويدفع باتجاه انتهاج اساليب صبانية احيانا، ومجنونة احيانا اخرى، خصوصا وان مبدأ الانتقام يصيب العقل بالجمود، ويسهم في تعطيل الفكر استجابة للنوازع الشريرة، التي تذهب بعيدا في الغالب، الامر الذي يحدث حالة من الانفصام، وعدم التوازن في التعاطي مع الطرف الاخر، نتيجة سيطرة الحالة الانفعالية في اتخاذ المواقف، واعتماد ردود الافعال، مما يعمق الفجوة بين الانتقام والعقلانية، بحيث تظهر على شكل اساليب بعيدة كليا عن المنطق السليم.

سيطرة روح الانتقام، سواء لأسباب منطقية مرتبطة بمواقف مبدئية او ثابتة، او نتيجة نوازع شيطانية منطلقة من حب السيطرة، وفرض الارادة على الاخرين، ورفض المواقف الاستقلالية وغير الخاضعة.. تلك الروح الانتقامية تحدث اختلالات في جسم المجتمع، وتسهم في زراعة بذرة الانقسام الداخلي، جراء تباين ردود الافعال ومحاولة الاطراف المستهدفة، استخدام مبدأ " رد الحجر من حيت أتى“، وبالتالي فان الاستماع لصوت العقل يكون ضعيفا، وغير وارد بسبب ارتفاع صوت النفس الشيطانية، مما يعني ان النوازع الانتقامية تتحكم في القرارات الحياتية، بحيث يقود الى نتائج مأسوية في الغالب، خصوصا وان الانتقام يحدث جروحا عميقة في النفوس، يصعب التئامها سريعا، مما يستدعي تحريك العقل باتجاه تبريد ردود الافعال غير المتوازنة، والاجرامية، المستندة الى القوة الجسدية دون التفكير في العواقب.

نوعية الانتقام مرتبطة احيانا بالأغراض الشخصية، لإظهار الصورة الوحشية، وارهاب الطرف المقابل، فالأساليب المستخدمة في ظرف مكاني وزماني، تختلف عنها في أماكن اخرى، نظرا لاختلاف الثقافة، وكذلك البيئة الاجتماعية السائدة، فضلا عن اختلاف الاطراف الممارسة للانتقام، وكذلك نوعية الفكر الذي يغذي هذه الروحية، الامر الذي يترجم على هيئة ممارسات مختلفة، بعضها انتقام جسدي، والبعض الاخر نفسي، بيد ان المحرك الأساسي يتمثل في اخضاع الطرف المقابل، واظهار حالة من التشفي، وبالتالي فان السيطرة على الفكر العقلاني يظهر الجانب المضيء لدى البشر، من خلال إشاعة روح التسامح والتغاضي، لتدعيم العلاقات الانسانية، والحيلولة دون احداث شروخ داخلية، وخارجية، في جدار الروابط البشرية.

التحرك غير المتوازن يظهر على شكل مواقف صادمة، واحيانا ردود افعال غير متوقعة، فالانتقام يظهر افعالا عنيفة للغاية، وغير مستساغة على الاطلاق، نظرا لارتباطها بالحياة النفسية غير المستقرة، مما يستدعي السيطرة على ردود الافعال، للحيلولة دون ارتكاب ممارسات خاطئة، وبالتالي فان الدخول في نفق الانتقام يترك اثارا سلبية، وجروحا غائرة في النفوس، بحيث لا تقتصر على الاطراف المقابلة، بل تشمل الاطراف الممارسة للانتقام، نظرا لفقدان السيطرة على الاعمال بشكل جزئي او كلي، مما يحدث حالة من النظرة السلبية تجاه الاخرين.

انتهاج العقلانية في التعاطي مع الاخطاء، يسهم في الاختيار الصائب، وغير العنيف في الغالب، فالعقلانية ليست مدعاة للتنازل عن الحقوق، بقدر تهدف الى وضع الحلول المناسبة، في التعامل مع المواقف، خصوصا وان فقدان السيطرة يفاقم الامور، ويدفع باتجاه إغلاق مختلف الطرق السليمة، نظرا لانتهاج اساليب عنيفة ووحشية، انطلاقا من مبدأ ”التشفي“، وعدم الانصات لصوت العقل، والجنوح للسلم باعتباره الطريق الأسلم، في التعاطي مع الازمات.

كاتب صحفي