آخر تحديث: 20 / 9 / 2020م - 1:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«سرمدة» للروائي والشاعر السوري فادي عزام: سبر العالم والواقع عبر الاسطورة

نذير الماجد صحيفة القدس العربي

رواية سرمدةفي روايته سرمدة سيغرقنا الروائي السوري فادي عزام منذ البداية بلذة الانتهاك، بما هو نص أيروتيكي مشبع بإشراق الرغبة وتجلياتها المنبثة في شتات وفوضى معنوية، ولأنه كذلك فهو وحده القادر على رفع الحجب التطهرية عن تداخل مجنون للأشياء والعوالم والنزوات. وبما أننا سنتبع السرد بمراحله ولبناته الأساسية نحو اكتمال وشيك لعالم مواز، فسيبدو النص كاشفا بحق بقدر ما للغة من قدرة على التعرية.

لا يكتمل المعنى ولا يأخذ التأويل مداه إلا في سياق ايكولوجي، حيث المكان يتداخل مع الزمان لينتج 'سرمدة'.. والعلامة هي الصخور: سكونية وثبات متحجر، كما أن كل لحظة في الامتداد الزمني هي ديمومة مكثفة، نفي للزمن، كل شيء فيه كل شيء وكل لحظة هي الدهر، الأشياء إذن صور، فالحركة داما ما تؤول إلى سكون، والصوت إلى كلمة أو تعليق لغوي، والحياة إلى حجر، والتاريخ إلى لا تاريخ. نلمس هنا اتصالا ووحدة معنوية لوقائع منفصلة، وقائع تشترك في غاية استشكالية للوجود برمته، فهي متولدة عن القلق ومنتجه له في آن معا، وإن كان من المحال الإفصاح عن قصدية محددة ونهائية للمقول في ما وراء السرد، فإن لفادي عزام هنا حاسة نقدية متأججة، حيث نراه يفرغ ما في جعبته من سهام نقدية ضد الصورة/ التصور/ الواقع بوصفها إمعانا في تزييف، وسقوط متكرر في أدلجة، فالعقل ذاته لا زال موضع تساؤل.

فادي عزام يستبطن الحقيقة في روايته على صورة امرأة خارجة على الشرف، في انتقال نجده متكررا في النص من الجسد إلى الروح، من المحسوس إلى المجرد، فهو يقودنا دائما من انكسارات الواقع الاجتماعي نحو تجريدات تمارس اشتغالها في ميدان ميتافيزيقي، الحقيقة/ المرأة التي هي كائن لا أخلاقي وذات طبيعة متمردة عصية على القانون وضد الخضوع لوصاية متعالية تمثل في سيرورتها نقيضا للسلطة، إنها ممارسة دائمة في الانتهاك، الخروج على الشرعية، على الشرف، التقوى، المثال/ النموذج، وهي بالتالي عبور، وتحقيق دائم للحياة وقد تخففت من كل أشكال العبودية واليقين. وكما أن المرأة مزاجية بالطبع إذ لا تثبت على حال فإن الحقيقة هي كذلك متلوته 'تغير أثوابها دائما مثل كل سيدة' كما يقول فيلسوف معاصر، هذا التبدل الهرقليطي لا يبدو منسجما مع البيئة الصخرية للمكان، وهي المفارقة التي يضج بها جسد النص، فالمكان والمجتمع الذي يمثل مسرحا للرواية تفوح منه رائحة الموت، ولكن وراء ذلك تبدو الأشياء كما لو كانت هيولى لا تميز بين الجسد ونزواته وفسقه وبين الروح وسكونها وطمأنينتها، الذوات والأدوار والوظائف تتداخل و'تتعانق' في حركة صاخبة، فالمومس قديسة تعالج سقم الروح قبل أن تروي عطش الجسد، و'بلخير' تلك الشخصية الغامضة والذي أسلم ذاته لغواية الكلمة ومجون اللغة كشف الواقع بسحره الفتان مثل فيزيائي حائر بين إخلاصه لنيوتن واتباعه لانشتاين، ثم كشف الحقيقة فأزاحها نحو عراء الروح والجسد وطهرها من مجون الكاهن وخزعبلات المذاهب والأيديولوجيات، وبما أن المكان ليس سوى 'زمن يسيل' والتاريخ ليس سوى تعبير عقلاني للفكرة الدرزية عن عقيدة التقمص، أو تناسخ الأرواح، فإن 'سرمدة' التي تعج ببيوت صخرية هي التاريخ حين يترجم ذاته إلى صورة أو مكان...

ولكن إذا ما اتبعنا العادة في التصنيف الأدبي فكيف سيبدو هذا النص؟ هل هو أيروتيكي أم رمزي أم غنوصي أم تاريخي يوثق لتأريخ 'سرمدة' وحاضرها لكي يستشرف مستقبلها؟ ليس هذا ولا ذاك، النص من ناحية المضمون والمحتوى إن لم يكن الشكل حداثي بامتياز، إنه رغم صغر حجمه جدير بأن يتسم بها جميعا، فهو أيروتيكي يثير الشهوة ويتسامى بها نحو قصدية جمالية ومعالجة أدبية، وهو غنوصي بتخمة رمزية عالية وهو أيضا واقعي يعرض لتاريخ 'سرمدة' تلك البلدة الجبلية التي يكتنفها الألم والفرح، الحزن والبهجة، العادة /العقل والجنون. البلدة الحائرة بين عزة البرفسورة في الفيزياء والتي تتحدث عن انشتاين مثل عقلانية باردة وعزة ذاتها التي تؤمن بالتقمص وتناسخ الأرواح مثل مؤمنة ساذجة واثقة بمعتقداتها الدينية.

عزة هذه تقدمها الرواية كامرأة باريسية تقمصت روح امرأة راحت ضحية جريمة شرف، وكما أن الزمن في سرمدة يتخذ شكلا دائريا أو لولبيا فإن المكان أو الواقع الاجتماعي يمثل صورة مصغرة لواقع معقد ومتشابك ولكنه أيضا يمثل حنينا رومانسيا لتعددية مرجوة هادئة ووادعة، فماضي البلدة يستعيد ذاته كجنة مفقودة في ظل الاحتراب وضجيج القنابل في الحاضر السوري، ذلك الحاضر الملوث بصراعات طائفية بغيضة والذي يمثل صورة نقيضة لسرمدة، البلدة التي جمعت في سديمها الثقافي بين الدرزي والمسيحي والمسلم، بين الشيخ والخوري وفريدة المنكوبة والمتهتكة والساخطة على التاريخ والعادة، سرمدة التي استحضرت روح ذلك الهارب دائما، المتفجر بالنور، آرثر رامبو، الشاعر الفرنسي الذي تمرد على اللغة وسافح الكلمات، في عودة واستعانة واضحة بالشرق، إنه التناسخ والعود الأبدي للتاريخ.

ثلاثة فصول في الرواية: عزة، فريدة، بثينة، ثلاثة عوالم أو وجوه لعالم واحد تكشفه المرأة وتصنع أحداثه، إنه نفسه الثالوث المؤرق 'السياسة - الدين الجنس'، ثالوث تفضحه المرأة التي هي أيضا مرآة تكشف الإتصال وتزيل وهم التغاير، عزة، فريدة، بثينة، تجليات لوجود متمازج ومتداخل حد الجنون، ومع أن الراوي/السلطة رجل يستحضر عنفوان الذكورة، أو هكذا يبدو كانتقام للدور الذي كان يلعبه شهريار، إلا أن ثمة أنثى تتجلى هنا كخالق مبدع يقود الرواية وينسج خيوط حبكتها، هي شهرزاد وهي ألف ليلة وليلة، الحاكي والحكاية معا، هي فريدة أو عزة وهي سرمدة ذاتها، المدينة التي فقدت عذريتها وتلطخت بعار انتهاك الشرف، لأن سرمدة ذلك المكان القابع تحت وطأة الزمن اللامتناهي هي عزة الفيزيائية التي تقمصت روح فتاة سرمدية.

تسرد الرواية إذن رؤيتها الكونية من خلال الجسد، فالعالم هو المبدع وهو المرأة، والمتعالي ليس سوى متطفل يتلصص على تضاريس جسدها المتفجر رغبة ونزوة، إذ ينظر عبر ثقب أحدثه من وراء التاريخ، وبكل اشتهاء يحدق، تماما مثلما فعل 'بلخير' حين أراد التمرغ فوق غابة الجسد المكتنز لـ'بثينة' والسوح في متاهات أقصى متعة تتيحها لذة محرمة 'فالجسد كنز للتبذير' كما يقول رامبو المرجع الروحي لبلخير. وما دمنا نتموضع في إطار هرمونطيقي بوسعه أن يتحلل من نسقية القراءة المنهجية، فإن لنا أن نقيم تمايزا بين نموذجين تتراوح بينهما الدلالة، فليست 'عزة' المتعلمة وأستاذة الفيزياء في جامعة السوربون القابعة بعيدا في باريس، بل نقيضها التاريخي وقرينتها في الروح، 'هيلا منصور' المقتولة بجريمة الحب والقبلة الآثمة هي وحدها القادرة على تمثل اللغة الغنوصية الممتزجة في تنافر ظاهري صارخ بأيروتيكية متمردة، إن 'هيلا منصور' السرمدية لا 'عزة الباريسية' هي النبية التي تبشر في هذا السفر الجليل بعودة متجاوزة للشرق، حيث تأخذ عقيدة التقمص طاقتها الكشفية بأجلى وأجمل صورة لسبر العالم ومعرفة أسرار التاريخ، يقول فادي عزام في لحظة اشراق متهتك: وما فكرة المستقبل إلا تاريخ تم إنجازه!