آخر تحديث: 23 / 9 / 2019م - 9:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المعالجة الجزئية

محمد أحمد التاروتي *

التعامل الشامل والتحرك الجزئي، للتعاطي مع القضايا والازمات، مرتبط بوجود القابلة لدى مختلف الاطراف، وكذلك توفر الظروف المناسبة للانخراط في مسلك الحل، سواء مرحلي او نهائي، خصوصا وان التجزئة تكون أجدى احيانا من طرح الحلول حزمة واحدة، نظرا لوجود عراقيل تحول دون ايجاد الارضيّة المناسبة، لقبول المعالجات الشاملة، الامر الذي يفرض اللجوء الى تجزئة المعالجات، لخلق الظروف الملائمة للدخول في الحلول النهائية.

الدخول في المعالجة الجزئية، امر تفرض المعطيات على الارض، خصوصا وان تباعد المواقف وتمسك مختلف الاطراف بقناعاتها، يدفع باتجاه ايجاد المخارج اللازمة لتجاوز المعضلة، مما يستدعي التحرك وفق الامكانيات المتاحة، بغرض تحريك الامور بالاتجاه الايجابي، نظرا للتداعيات السلبية الناجمة عن حالة الجمود، وعدم وجود أفق يسهم في تقريب وجهات النظر، وبالتالي فان الحلول الجزئية تمثل احد المخارج، نحو توفير المناخ للاتفاق على حلول، لمعالجة الامور في نهاية المطاف.

التخوف من الحلول الجزئية امر مشروع، خصوصا وان المعالجة غير الشاملة لا تشكل حلا جذريا، وإنما تستهدف اضاعة الوقت، والدوران في الحلقة المفرغة، لاسيما وان الحلول الجزئية تبحث في القشور دون الغوص في العمق، مما يعني عدم القدرة على نزع الفتيل بشكل كامل، وبالتالي فان المعالجة الجزئية بمثابة الهروب للامام، الامر الذي يستدعي وضع جميع الاحتياطات، لتكون طريقا للدخول في الحلول الجذرية، عوضا من التركيز على المعالجات الثانوية، والابتعاد عن الحلول الجوهرية.

النظرة التشاؤمية للمعالجات الجزئية لا تمثل مخرجا، بقدر ما تسهم في ابقاء المشاكل قائمة بدون حلول، مما يستدعي الدخول في المعالجات الممكنة، وايجاد المناخ المناسب لتعزيز الثقة لدى الخصوم، الامر الذي يمهد الطريق امام الانخراط في المعالجات الجوهرية، مما يؤسس لمرحلة اكثر نضجا في البحث الجاد، للوقوف على المشتركات، وترك الخلافات جانبا، من اجل تغليب المواقف المتقاربة، واستبعاد الاّراء المتباعدة، وبالتالي فان الحلول الجزئية تبقى احد الخيارات المتاحة القادرة، على رأب الصدع في المواقف المتباعدة في العديد من الخلافات.

التباين الكبير في جدوى المعالجات الجزئية، ينطلق من اختلاف القناعات، وكذلك التخوف من غياب النوايا الصادقة، الامر الذي يتطلب وضع تلك المخاوف في الاعتبار، قبل العبور باتجاه الحلول الجزئية، لاسيما وان انعدام الثقة يلعب دورا اساسيا في اثارة الهواجس، وبالتالي فان العملية مرتبطة بامكانية خلق اجواء الثقة في النفوس، قبل طرح الحلول الجزئية، بمعنى اخر، فان التجارب الفاشلة في معالجة بعض القضايا، جراء الانخراط في المعالجات الجزئية، تدفع باتجاه رفض مختلف اشكال الحلول المرحلية، والبحث المستمر عن المعالجة النهائية، باعتبارها الوسيلة الوحيدة القادرة على بعث الطمأنينة في النفوس.

المعالجة الجزئية تمثل الخيار المناسب للقفز على الملفات الشائكة، نظرا لصعوبة ايجاد الحلول المناسبة كحزمة واحدة، مما يتطلب البحث عن المعالجات المرحلية، لتجاوز العديد من الاشكالات، وبالتالي فان الرغبة في إغلاق الملفات عبر الخطوات العملية، تشكل الارضيّة المناسبة للانطلاق، باتجاه الدخول في الحلول الجزئية، نظرا لإدراك الجميع باهمية ايجاد الحلول المتاحة، عوضا من الانتظار لفترة طويلة دون حلول عملية.

كاتب صحفي