آخر تحديث: 12 / 11 / 2019م - 10:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

مثقفون وناشطون: ماحدث في الوطن العربي يكاد يكون الطريق الوحيد للديمقراطية

جهينة الإخبارية إعداد/ حسين زين الدين

الغيثي: ما حدث في العالم العربي يكاد يكون هو الطريق الوحيد أمام الشعوب العربية في قلب أنظمة الحكم
الصادق: الربيع العربي وسع هامش الحرية في الوطن العربي بما لا يقاس قبل الحراك الشبابي
الدحيلان: الربيع العربي جاء كخيار سلمي للشعوب لتغيير الوضع السياسي والاقتصادي والفكري والثقافي
الشيوخ: إن حركات الإسلام السياسي الأكثر شعبية وتنظيما ونفوذا هي المستفيد الأكبر من الثورات العربية

رأى مثقفون وناشطون أن ما حدث في الوطن العربي من تحول سياسي واجتماعي وفكري يكاد يكون هو الطريق الوحيد إلى الديمقراطية، وأجمعوا على أن هذا التحول وسّع من هامش الحريات في الوطن العربي. وأوضحوا أنه من الخطأ الحديث عن نتائج هذا التحول ونحن لازلنا في بداياته، وراهنوا على فرص نجاح هذا التحول متى ما لم تلتف بعض الأحزاب الإسلامية أو الحكومات على الديموقراطية لتجيّرها لصالحها أو تقوم بالانقلاب عليها، واتفقوا على أن الإعلام الجديد كان له الدور الفاعل في صناعة هذا التحول.

جاء ذلك في تحقيق قام به مركز آفاق للدراسات والبحوث حول «الربيع العربي ومشروع التحول الديمقراطية في المنطقة العربية» مع عدد من الكتاب والمثقفين المهتمين والمتابعين للشأن العربي العام.

ثورات الربيع.. آمال جديدة

رأى الكاتب بجريدة عكاظ شتيوي الغيثي أنه من الصعب الحديث عن الحريات والتحولات الاجتماعية والسياسية خلال مدة قصيرة من عمر الثورات؛ خاصة في غياب الإحصاءات التي يمكن لها أن تقيس مستوى التحولات العربية سواء في الحريات أو غيرها.

موضحا أن هناك مستويين من الحريات: مستوى الحرية في الإعلام غير الرسمي ومستواها في الإعلام الرسمي، وهما أمران يكادان يقفان على الضد من بعضهما.

ولفت بالقول: إذا كانت المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي في تصاعد كبير في مسألة هامش الحريات، فإن الإعلام الرسمي يكاد يكون ثابتاً في مستواه قبل الثورات بل بعضها تراجع.

أما على مستوى الحريات الشخصية فلا يرى الكاتب حتى الآن أي تطور سواء في داخل دول الثورات أو حتى خارجها.

وذكر إن الحرية التعبيرية كونها أحد مظاهر الحريات، فإنها تكاد تكون مقصورة على النقد السياسي دون غيره من الحريات التعبيرية الأخرى، كحرية التعبير الديني في نقد الخطابات الدينية، بل إن في صعود الاتجاهات الإسلامية ما يمكن له أن يعيق هذا الجانب.

من جهته أشار الكاتب السياسي محمد الصادق إلى أنه بفضل الربيع العربي تفتحت مسامات الحرية في جسد أثخنته كثرة القمع والقهر والظلم وتبدد الإحباط واليأس وحل محله الأمل، بعد أن كانت إرادتها رميم..

وأكد على أن الربيع العربي وسع هامش الحرية في الوطن العربي بما لا يقاس قبل الحراك الشبابي، متسائلا من كان يفكر مجرد تفكير في إمكانية إزاحة معمر القذافي بعد أربعين سنة من الحكم؟ من كان يعتقد بأن توريث الحكم في مصر واليمن أصبح مستحيلاً بعد الربيع؟

ولفت الصادق إلى أن هذا الهامش الجديد للحرية دُفع ثمنه دماً، ويجب أن يُحافظ عليه عبر ترسيخ القوانين التي توفر الحماية لحرية التعبير والتجمع والتنظيم السياسي، وإلا قد نصحو ذات صباح على سرقة الحرية من جديد من بين أيدينا.

أما الكاتب في جريدة الحياة عبدالله الدحيلان ذكر أن الربيع العربي أنشى أرضية مختلفة للإعلام خلاف ما كان موجود سابقا، وهي أرضية تقبل بالتعددية وترجمة عملية التمرد على تنميط المجموعات والأفكار. وإضافة لذلك أصبح الإعلام متورطا في زمن الربيع العربي بسبب رغبته في أن يلحق بركب الطوفان الجامح، بسبب أن الملتقي لم يعد يرضيه خطاب التضليل وأساليبه البالية، وبات يبحث عمن يتشارك معه لصنع التغيير النابع من ديمومة الحياة لا المتوافق حصريا مع أهواء ورغبات أفراد أو فئات.

فيما ينطلق الباحث في علم الاجتماع السياسي محمد الشيوخ في رؤيته حول أثر الربيع العربي على الحريات من اعتقاده أن سلسلة الثورات والاحتجاجات التي عصفت بالمنطقة العربية قبل عام والنصف العام لم تستهدف الإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية الفاشلة فحسب، وإنما كانت ولازالت تتطلع إلى إقامة أنظمة سياسية حديثة وفاعلة تحترم الحقوق وتعزز سيادة القانون وتحمي الحريات العامة وترسخ قيم العدالة وتؤمّن الشراكة السياسية، وهي ثورات بالمناسبة غير دينية رغم مشاركة الإسلاميين فيها بفاعلية.

من هنا فإنه يدعو إلى أن تكون هذه القيم ماثلة في الأذهان دائما. كما أن تعزيز هذه المبادئ والقيم مرهون إلى حد كبير بطبيعة ووظيفة النظم الجديدة التي أفرزتها الثورات العربية على حدّ قوله.

الطريق إلى الديمقراطية

يعتقد الغيثي عند تناوله لهذا المحور أن ما حدث في العالم العربي يكاد أن يكون هو الطريق الوحيد أمام الشعوب العربية في قلب أنظمة الحكم بغض النظر عن كونها طريقاً حقيقيا إلى الديمقراطية أم غير ذلك.

مشيرا إلى أن الشعوب العربية يئست من حالة التجاهل السياسي ووعود الإصلاح التي كانت عملية تخديرية ومسكنات سياسية لا غير، فكان لابد للثورات أن تندلع في ظل ضعف سياسي وفساد مستحكم في الطبقات العليا من السلطة.

ونوه إلى أن الشروط الأولية للديمقراطية موجودة مما يمكّن العمل الديمقراطي أن يبدأ في خطواته الأولى لتبني نفسها شيئا فشيئا حتى يكتمل بناء العمل الديمقراطي خاصة مع انعدام تجارب سابقة للديمقراطية في العام العربي انعداما كلياً.

وتابع القول: إنه لا يمكن لنا أن نجد ديمقراطية كاملة ومتكاملة حتى عند أعرق الدول ذات العمل الديمقراطي لكن الأهم في العالم العربي ألا يكون هناك التفاف على الديموقراطية من قبل الأحزاب التي وصلت إلى سدة الحكم بحكم أكثريتها الشعبية والعمل على تمييع الديموقراطية.

أما محمد الصادق فقد وصف إلى أن ما حدث حتى الآن أمر إيجابي جداً؛ لأنه وضع الشعوب العربية في صميم المعادلة السياسية في البلدان التي جرى فيها الحراك على حدّ قوله.

ولفت إلى أن الطريق إلى الديمقراطية طويل وشاق، وقد احتاجت دول مثل فرنسا وأمريكا إلى عقود من الزمن لتصل بالديمقراطية إلى ما وصلت إليه الآن.

ويعتقد الصادق أن من الخطأ الحكم على نتاج الحراك الشعبي، ونحن لازلنا في بداية الطريق، معللا ذلك أن أمام الشعوب العربية الكثير من العقبات قبل أن تنضج التجربة، لكن التجربة تستحق المغامرة فالبديل قد جُرّب ونتائجه معروفة!.

أما الدحيلان فقد ذهب بالقول: الربيع العربي جاء كخيار سلمي للشعوب لتغيير الوضع السياسي والاقتصادي والفكري والثقافي، مع اليقين بوجود خسائر لا بد منها، وسوف يلحقها بمشيئة الله خير كثير، يحتاج من الجميع العمل والتكاتف، واستثمار الظرف التاريخي للصالح العام.

ويأمل الشيوخ أن تفضي الثورات العربية إلى تحول حقيقي نحو الديمقراطية. الشعارات التي رفعت والمطالب التي نادى بها المحتجون في ربيع الثورات تستهدف تلك الغاية، لهذا قيل أن الثورات التي حدثت ليست إسلامية بالمعنى الكلاسيكي السائد، وإنما هي ثورات تستهدف تعزيز مبادئ وقيم الديمقراطية، وكان ذلك جليا من خلال شعاراتها.

الثورات وفرص التحول

راهن الغيثي على أن فرص نجاح الديموقراطية يعتمد على مفهوم العمل الديمقراطي عند الأحزاب المختلفة فهي بيدها تحقيق استمرار الديموقراطية من عرقلتها.

ورأى أن العمل الديمقراطي سوف يكون ناجحا متى ما لم تلتف بعض الأحزاب على الديموقراطية بحيث تجيرها لصالحها وتتجاهل الديمقراطية الحقيقية لصالح أكثريتها.

موضحا أن الفرصة الأكثر بالنسبة للديمقراطية هي في سيادة القانون وتعددية الأحزاب التي تأخذ بالنهج الديمقراطي والعمل على مؤسسات المجتمع المدني في جانبها السياسي.

فيما يتصور الصادق بأن الشعوب العربية قد حددت هدفها بكل دقة: إسقاط النظام الذي لا يقبل الإصلاح، وإقامة نظام آخر ديمقراطي يُلبي طموحات الشعوب على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

مؤكدا على أن محاولات بعض الحكومات الالتفاف على مطالب الناس لن تنجح، لأن الناس - وبحسب نظرته - واعية وستنجح في نهاية المطاف في فرض شروطها على من يريد الحكم في المستقبل.

وأشار الدحيلان من جهته بالقول: من العجلة بمكان أن نستعجل نتائج هذا التحول، سواء كان سيفرز لنا تحولا ديمقراطيا كاملا أم ديمقراطية عرجاء تشهد نكوصا وعودة للوراء. ورغم هذا التخوف الطبيعي، إلا أني أجد أن ما وقع على الشعوب العربية طوال العقود الماضية، والتي عاصرت نتائج التجربة الانقلابية تنبأ أن هناك حالة وعي للتصدي لكافة أشكال الرجعية المتمثلة في الحكم الشمولي الرافض للتداول السلمي للسلطة. لكن ما يلزم الإشارة إليه في هذه النقطة تحديدا، أمرين، الأول: مفهوم الثورة، والثاني: تعميم نمط واحد لقياس نجاح الثورة.

وأوضح الشيوخ أن الربيع العربي هو بداية عصر جديد للعرب ولحظة تاريخية فارقة في حياتهم السياسية والاجتماعية. مبينا أن العرب اليوم في مرحلة انتقالية ينبغي توفير اشتراطاتها لتتم عملية التحول بسلام، ولعل أهم متطلبات هذه المرحلة هي إقامة نظم سياسية تؤمن بقيم الديمقراطية وتسعى إلى تطبيقها إذا توفر هذا الأساس في العالم العربي سيحدث التحول المنشود ولكن الأمر بحاجة إلى زمن طويل.

ويرى إمكانية صناعة ذلك التحول في العالم العربي وليس صعبا توفير كل المقومات الضرورية لذلك، ولكن الأمر يحتاج إلى جهد وزمن وصبر وتضحيات.

التحول الديمقراطي وتحقيق النموذج الموعود

في هذا المحور، أشار الغيثي إلى أن أمام الحركات الإسلامية طريقان لا ثالث لهما «إذا لم تلتف على الديمقراطية» وهما: العمل على تطوير أدواتهم السياسية بما يحقق المجتمع المدني الذي تطمح إليه ومن ثم بقاءهم أطول فترة ممكنة برضا الشعوب أو الخروج من الدائرة السياسية بحكم الفشل السياسي، وفي كلا الحالتين فإن المستفيد هو المجتمع وليس الحركات الإسلامية؛ لأنها ستأخذ بالتغير سواء بشكل إيجابي أو سلبي يوضح فشلها.

وذكر الصادق أنه ينبغى التعاطي مع الحركات الإسلامية بحذر، والحديث عنها هو كالمشي بين الألغام، وذلك لسببين: من جهة أنها في مرمى نيران الأنظمة العربية المستبدة التي تسعى لتشويهها، والأخرى لجهة عدم الإفراط في تمجيدها وإلباسها لباس العصمة.

وأردف قائلا: فهي لم تقود الشارع في البداية، لكنها قطفت ثمار الربيع، لكونها القوى الأكثر تنظيماً في العالم العربي، وهي ساهمت بشكل كبير في نجاح الثورات، وحمتها في أوقات الشدة كما حدث في مصر. وحركة كحركة الإخوان على سبيل المثال كانت معارضة للنظام منذ عقود، وقد دفعت ثمناً باهضاً، لكنها اليوم أمام الاختبار الأصعب: قيادة التحول الديمقراطي وتحقيق النموذج الموعود.

وفي ذات السياق بين دحيلان أن الحركات الإسلامية كما هو معلوم ليست على منهج واحد، حيث نجد الحركات الإسلامية الحركية المنخرطة في العمل السياسي منذ مدة طويلة، وحركات أخرى لها تحفظ على الدخول في العملية السياسية الديمقراطية، وترى أن نموذج الخلافة الراشدة هو النموذج الصالح لكل زمان ومكان، مما يعني مقاطعتهم وانعزالهم عن العمل السياسي.

و يعتبر دخول الإسلام السياسي للمعترك أمر طبيعي ومتوقع، بحكم ما تمتلك تلك الحركات من قبول اجتماعي صرف، مبني على العاطفة الدينية التي هي العصب الذي يعتمد عليه هذا المنهج السياسي.

في حين يجزم الشيوخ: أن حركات الإسلام السياسي الأكثر شعبية وتنظيما ونفوذا، والتي تبنت مبادئ الديمقراطية، هي المستفيد الأكبر من الثورات العربية. وهذا درس جديد وجدير بالتأمل من قبل حركات الإسلام السياسي في العالم العربي لتعيد النظر في مجمل مواقفها وأفكارها خطاباتها.

الإعلام الحديث وسرعة التحول

وحول الإعلام وأثره في صناعة التحول الديمقراطي في الوطن العربي، بين الغيثي أن الإعلام كان وسيلة ونافذة من نوافذ التعبير والحشد ولم يكن صانعا للحراك الثوري.

ملفتا إلى إن إرهاصات الثورة كانت في الأفق منذ سنوات بسبب وصول الأنظمة العربية إلى أفق مسدود من عملية الإصلاح والفساد وتراجع معدلات التنمية، ربما كان للإعلام الحديث دور في تسارعه والتركيز عليه وتسليط الضوء عليه، والدليل أنه لم يستطع التأثير في مجريات دول أخرى قريبة من دول الثورات وحركاها الديمقراطي.

وقال: لا يمكن إنكار دور الإعلام الحديث وانفتاحه على أفق تعبيرية جديدة خرجت من يد الأنظمة السابق لتنظم في صفوف الشعوب، إلا أنه يبقى وسيلة من ضمن وسائل أخرى، ومعطى من ضمن معطيات غيره، تتكاتف كلها لتصنع حراكاً ثورياً شعبياً.

أما الصادق فمن جهته قال: لا شك بأن للإعلام الحديث دور فعال في صناعة الديمقراطية، وإن ذلك يتم على عدة أصعدة منها: التعبئة الجماهيرية، توسيع النخبة، تعميق الأفكار عبر النقاش، واستقطاب جمهور جديد للشِأن العام. من هنا يستقي الإعلام الجديد دوره في صناعة الديمقراطية ويساهم بشكل لا لبس فيه في توسيع هامش الحرية.

وقال الدحيلان: آمل ألا يتم تضخيم دور الإعلام الحديث، فهو كان أداة استغلت.. ولكن محتواه يحتاج لكثير من النقد والتوجيه حتى يؤتي ثماره بأكبر قدر من الأرباح، لتحقيق موجة إصلاح وتغيير قائمة على قاعدة متينة تعزز من ديمومة هذه المشاريع، وتنميتها فكريا وبشريا.

وبين الشيوخ كان لوسائل الإعلام، سيما فيما بات يعرف بالإعلام الجديد، دورا محوريا في دعم الثورات وانتصارها وإيصالها للعالم والحد أحيانا من قمع وبطش الأنظمة المستبدة للمحتجين واقتلاعها.

مشيرا إلى أن الإعلام اليوم لم يعد حكرا على الأنظمة، وبالتالي على الشعوب المضطهدة خصوصا الشباب الذي يتقن التعامل مع تقنية الإعلام الحديث، عليهم أن يستثمروا ما هو متاح لهم من منابر إعلامية لتنسيق جهودهم وتنظيم مواقفهم ورص صفوفهم أكثر.