آخر تحديث: 28 / 3 / 2020م - 12:08 م  بتوقيت مكة المكرمة

قبل ضحى الغد 2

بدر شبيب الشبيب *

لن أسأل الأسئلة المكررة في المسابقات الطلابية عندنا منذ وجدت مدارسنا حتى اليوم. أسئلة من مثل: متى وقعت الحرب العالمية الأولى؟، من هو مخترع المذياع؟ ما هو أطول نهر في العالم؟ وغيرها من الأسئلة التي لا ترتبط بنا، ولا علاقة لها بذكاء الطالب وقدراته التحليلية والاستنتاجية والتخيلية، وإنما يمكن أن يستدل منها على قدرة الطالب على تخزين واسترجاع المعلومات، وبعبارة حديثة على مدى «هارديسكيته»، أي تشابهه مع ال «هارديسك» الخاص بالكمبيوتر.

هذه الأسئلة النمطية لا يمكنها أن تنتج إلا طلابا نمطيين، يحفظون المقررات عن ظهر قلب، ثم يتوجهون للامتحانات ليفرغوا حمولاتهم ويتخلصوا من أثقالها المرهقة، وينقلبوا بعد ذلك فرحين مسرورين كمن يُطلق سراحه بعد طول اعتقال.

لن أسأل مثل ذلك، بل سأسأل سؤالا أكثر غباء أو ذكاء، لا أدري، غير إنه ليس أكثر براءة: هل سياراتنا هي الوحيدة في العالم التي تحمل لوحات أرقام؟ الجواب: طبعا، لا. ثم يأتي بعده السؤال المؤرق الذي يقض مضاجع الإجابات: فلماذا تغيرت أشكال اللوحات أكثر من مرة حتى وصلنا للشكل الحالي، والذي قد لا يكون نهائيا؟ ألم يكن بالإمكان الاستفادة من تجارب الدول الأخرى ذات الكثافة السكانية والسياراتية الهائلة كالهند والصين مثلا، على الرغم من محدودية عدد السكان والسيارات لدينا مقارنة بهما؟ والسؤال نفسه يرد في كثير من شؤوننا التي نعالجها ونتعامل معها وكأنها تحدث لأول مرة في العالم، أو كأننا أصحاب براءة الاختراع لها.

نكرر دائما «اسأل مجرب ولا تسأل طبيب»، وهو مثل رغم عدم علميته، إلا أنه يحمل في طياته احتراما وتقديرا لذوي التجارب والخبرات، غير إننا لا نطبقه في حياتنا العملية، حيث نترك الطبيب الخبير لنذهب لغيره من بائعي الوهم الذين يجيدون شفط الجيوب والصحة معا.

الخبراء والمستشارون في ذاكرتنا الجمعية يمثلون أشخاصا ديكوريين يقدمون توصياتهم لمتخذي القرار الذين لا يكترثون عادة بها. في فبراير 2009 دعا 85 مفكرا خليجيا في ختام منتدى التنمية الخليجي الذي عقد في البحرين، دعوا إلى اعتماد «أنموذج النرويج» بالنسبة للسياسة النفطية.

وقالت المنسق العام للمنتدى منيرة فخرو لـجريدة «الوسط»: «إن النرويج بلد نفطي، ولكنه يعتمد سياسة يستفيد منها مواطنوه في الوقت الحاضر وتستفيد الأجيال من هذه الثروة الناضبة في المستقبل». وأوضحت «أن النرويجيين يستثمرون ثروتهم النفطية في بلادهم بمعدل 4 في المئة من قيمته الحالية، ويستثمرون الباقي لخدمة الأجيال المستقبلية، وهم يعتمدون على سياسة تؤمن بأن الثروة ملك للمجتمع الحالي ولأبناء وأحفاد مجتمعهم، وبالتالي فإنهم يخضعون صندوقهم السيادي لسلطة البرلمان، ويكشفون الحقائق عبر شفافية موثوق بها، بينما الأنموذج الخليجي فاشل لأنه لا وجود لرقابة شعبية أو تمثيل سياسي، وينتشر الفساد في كيفية التعامل مع الواردات التي يتم تدويرها عبر نماذج استثمارية تمتص فوائض المال وتضخها في مجالات لا علم لأحد بها، وهذا يضعف برامج التنمية ويهدر ثروات الوطن العامة».

النموذج النرويجي يقوم بالإضافة إلى ما ذكرته فخرو من سياسة نفطية على عاملين آخرين هما: الأول الاستثمار في التنمية البشرية واقتصاد المعرفة، حيث ركزت النرويج جهودها على خطط التنمية في مجالات التكنولوجيا والتعليم والتربية والصناعة والزراعة، وكانت نتيجة تلك السياسات الاقتصادية، أن قل بشكل كبير اعتماد النرويج على أسعار النفط، وتنوعت مواردها الاقتصادية. والثاني النأي عن الديون عالية المخاطر، مما جعلها في مأمن من الكوارث المالية التي أصابت الغرب مؤخرا. ولم تكتفِ بذلك بل نأت بنفسها عن الحروب وكونت لها سمعة عالمية باعتبارها صانع السلام، حيث شاركت في محادثات السلام في الفلبين والبلقان وكولمبيا وغواتيمالا وسريلانكا والشرق الأوسط.

عقد المنتدى في أوائل 2009، وأصدر الخبراء توصياتهم. ونحن اليوم في نهاية 2012، ولا تزال التوصيات توصيات لم تجد طريقها للتطبيق. وظلت نصيحة الخبراء مجمدة حتى إشعار آخر، أي حتى «ضحى الغد». وهذا ما توقعه بالفعل أحد المشاركين، حيث رفض إرسال أي مذكرة أو مقترح من خلال المنتدى، إلى أية سلطة من السلطات العربية، لأن ذلك سيكون مصيره سلة المهملات، إذ إن كثيرا من المذكرات التي أرسلت سابقا، كان مكانها الوحيد لدى السلطات، سلال المهملات - بحسب قول المشارك - مفضلا أن يكتفى بالإعلان عن هذه المقترحات والمذكرات من خلال وسائل الإعلام.

هكذا نتعامل مع خبرائنا ال «منعش» ين ومع توصياتهم ورؤاهم.. فهل إلى خروج من سبيل؟!