آخر تحديث: 23 / 9 / 2020م - 1:44 ص  بتوقيت مكة المكرمة

هأهأة

محمد العباس * صحيفة اليوم

عندما تجتمع الأسرة في مكان واحد في البيت. وهي حفلة عائلية نادراً ما تحدث هذه الأيام.

يبدو المشهد مضحكاً ومثيراً للأسى، فكل فرد لا يبدو متصلاً مع بقية أفراء العائلة، بقدر ما هو مأخوذ بما يشاهده في آيفونه أو آيباده، وما يسمعه من خلال السماعات الملتصقة بأذنيه. حتى عندما تبادر الأم بإعداد الشاي، لا تسمع كلمة تدل على الترحيب أو الامتناع، بل تستقبل من أولادها وبناتها إشارات مقتضبة عبر تفاصيل الوجه، أو إيماءة بالرأس. ليعود كل فرد إلى حالة الاندماج مع تلك الآلات التي ترسم على وجهه علامات الفرح أو الدهشة أو الغضب.

وما أن ينتهي بروتوكول اللقاء المفتعل، وتبدأ الأم بتجميع كاسات الشاي الباردة التي لم تُحتس أصلاً، حتى يبدأ كل فرد بالانسحاب إلى غرفته على نفس الإيقاع. برسم ابتسامة مجاملة على وجهه، أو بتلويحة تؤدى كيفما اتفق من اليد التي لا تحمل الجهاز. حتى إذا ما وضعت الأم رأسها على المخدة انهمرت عليها مسجات أولادها وبناتها «ت. ع. خ» مع إضافة أيقونات قلوب وورود. كل حسب كفاءته التقنية ورقته الالكترونية. فيما يحتل الصمت المطبق أركان البيت.

ولأن منطق العائلة الحواري قد صار هو الصمت. تضطر الأم لمواكبة المتغيرات، وتنساق - بوعي أو لا وعي - إلى متطلباته. وعلى هذا الأساس تتعامل مع الأب، الذي يُباغَت كل يوم بوابل من الرسائل الالكترونية المتعلقة بإدارة أمور الأسرة. فما أن يعتدل أمام مقود سيارته حتى ينتبه على رسالة «خبز - حليب - زبدة - أكياس زبالة - جرجير». وفيما يحاول تعديل هندامه يتكرر الرنين مرة أخرى «ولا تنس تمر الصيدلية وتجيب الأدوية». حتى عندما يصل إلى مكتبة تأتيه رسالة تذكير «بكرة موعد عبود للأسنان». وإذا ما تساءل عن الماركة أو النوع تأتيه في الحال صورة المنتج عبر رسالة.

وبين هذه التنبيهات والاحتياجات الضرورية يتبادل أفراد الأسرة البودكاساتات والمقاطع الفلمية والأخبار والمقالات والنكات المتداولة في الشبكة الالكترونية، التي يعقبها في الغالب قهقهة متفق عليها ومعتمدة الكترونياً «ههههههههه». فيما يبدو اختصاراً للأبجدية في حرف واحد هو حرف «الهاء» وكأن اللحم والشرايين والأعصاب والأوردة الآدمية قد تم استبدالها بوصلات الكترونية سلكية ولا سلكية.

لا أحد يريد أن يتحدث إلا عبر الواتس أب والمسجات، فالأجواء الأسرية، على ما يبدو، صارت تصيب الفرد بالبكم وعدم الرغبة في التخاطب مع الآخرين. ولم يعد لأحد القدرة على الضحك إلا من خلال «الهأهأة» تلك القهقهة الإلكترونية الجامعة، التي أصابتنا بالتنميط وأفقدت كل واحد منا صوته الخاص، كما أجهزت على التمايز بين ضحكاتنا.

قبل سنوات كانت الأوراق التي تحمل متطلبات الأسرة وتلصق على الثلاجات المنزلية هي الدليل على تحضّر الأسرة وتمدُّن الأم بالتحديد. أما في هذا العصر الإلكتروني، فتعاملها مع الأجهزة الهاتفية الذكية هو الدليل على رقيها. لولا أن هذا التعاطي الأسري مع الآلات الذكية كان له أكبر الأثر على الذكاء العاطفي، ليس للأم وحسب، بل لكل أفراد الأسرة. إذ يصابون جميعاً بشلل في التفكير والتعبير بمجرد وجود أي طارئ أو خلل على الشبكة. هذه الكائنات التي نسيت الأبجدية واكتفت بالـ «هأهأة» المعلّبة، توقفت عن الكلام إلا من خلال نقرات الأصابع. وعندما يصاب الواي فاي في البيت بعطل مؤقت، تهجر كل هذه الخفافيش غرفها المظلمة وتتجمع في غرفة الجلوس المضيئة بالأهل والأحبة، متخفّفة من اكسسوارات الأجهزة الإلكترونية. وعائدة إلى حواضنها الأسرية الطبيعية الدافئة، وكأنهم يتعرفون على بعضهم للمرة الأولى. حينها يتهجون الكلام بكلمة واحدة، هي شفرتهم المتبادلة. حيث يصرخون بنبرة جماعية متأففة «طفش... طفش... طفش» بانتظار لحظة عودة الحياة إلى الواي فاي ليعودوا إلى صمتهم، وهأهأتهم البائتة.

ناقد وكاتب