آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 2:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

نُطَّار الغد

غداً يأتي شهرُ رمضان، صلوا معي أن تُردمَ الخنادق وتصمت البنادق، لا تقرع الطبولُ إلا في السحر، لا صوتَ إلا الأذانَ والدعاءَ في المساجد، لا جوعَ إلا انتظار شمسِ الربيع أن تغرب، ولا عريَ إلا إنتظار بدلةِ العيد في ألوانها الزاهية، تزينها وجوهُ الطفولةِ الغضة وكل من ينتظر العيد!

تتحول أحوالُ الناس في كل شيء، الفقر والغنى، المرض والشفاء، الحياة والموت، ويبقى شهر رمضان غضًّا طرياً كلما عاد. الكل ينتظر شهر رمضان، إذ منذ أيام يسألني الصغار: هل آتي معكم في شهرِ رمضان يا جدي؟ نحن كنا صغارَ الأمس وكان يملؤنا الفرح والترقب  وانتظار شهر رمضان، وعندما يأتي شهر رمضان كنا نلهو ونفرح ونأكل ونشرب ونصلي ونلتقي، كل هذا كان قبل أن يكبر الهم!

تعتني كثيرٌ من الشركات والمؤسسات الراقية بتطوير موظفيها، وتقدم لهم دوراتٍ تدريبية تمكنهم من إتقانِ العمل وتقديم أفضل خدمةٍ لعملائها، وكلما يحتاجه العاملون لديها من مهاراتٍ تأتي بالربحِ المادي الوافر لأصحاب الشركة، وقد ينال العامل شيئاً من هذا الربح أو لا يحصل على شيءٍ سوى المزيدَ من العملِ والمسؤولية. في هذه الدورات تختار الشركة مناهج التدريب بعناية وتنتقي أمهرَ المدربين لكي يحصل العاملون على أكبر قدرٍ من المعرفة في مدةٍ قصيرة. أليس هذا شبيهٌ بدورة التدريب الروحي في شهرِ رمضان؟ ولكن المنهج هو منهج الله ومدرب الدورة هو رسوله محمد ﷺ ويحضرها كل المسلمين. وما يبهج المساهمون في الدورةِ أن اللهَ لا يهتم بالربحِ ويقول للمساهمين: أنتم من سيأخذ الربح، أما أنا فغني عنه!

يوم كنا نأخذ مثل هذه الدورات، كنا منذ اللحظات الأولى نرتقب يوم التخرج، وعندما يأتي يوم التخرج يعطي قائدُ الدورة وسامَ النجاح لكل من حضر، ويبقى التحدي الأكبر كم منا سوف تستمر عنده المعرفةُ والممارسة التي اكتسبها من هذه الدورة قبل أن يختفي أثرها أو تعطيه الشركة دورةً أخرى؟ قد تبخل الشركات أو لا تستطيع أن تستمر في تدريبِ وتحسين مهاراتِ موظفيها، ولكن تدوم دورات التدريب التي يقدمها الله لنا منذ بلوغ سن الرشد وحتى يكتبَ الناعي خبر الوفاة، وذلك رجاء أن يحصل كل منا وسامَ عبور دورةِ الحياة كلها والاستفادة منها.

يأتي شهر رمضان وتأتي أمنياتي لك بأن تكونَ الأيام الباقية من حياتك أكثرها أمناً، وأرقاها عقلاً، وأرقها عاطفةً، وأكثرها شكراً. ولمن غاب أن يعود ومن افتقر أن يستغني، ومن مرض أن يشفى، فنحن أمةٌ تستحق الأمن والسلام، وسوف يأتينا السلام! لكل من حضر معنا هذه الدورة في السنواتِ السابقة وأنتهت به دورةُ الحياةِ نسائم الرحمات وأبهى الذكريات...

مستشار أعلى هندسة بترول