آخر تحديث: 23 / 9 / 2019م - 9:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الانطباعات.. الاحكام

محمد أحمد التاروتي *

تشكل الانطباعات الاولية مدخلا لاصدار الاحكام تجاه الاخر، فتارة تكون سلبية نتيجة عوامل ذات علاقة بطريقة الاستقبال، او بسبب اختلاف المواقف تجاه بعض القضايا، وتارة اخرى تكون ايجابية منذ اللقاء الاول، بحيث تتخذ اشكالا متعددة للتعبير عن الانسجام التام، والاستعداد لتوطيد العلاقة، وبناء جسور المحبة، والاستعداد لتقاسم الهموم والمصاعب.

إصدار الاحكام تكون قاسية احيانا، ومحابية احيانا اخرى، فهي مرتبطة بطريقة الانطباعي المبدئي منذ اللقاء الاول، بحيث تبزر على اشكال عديدة ذات علاقة، بالنظرة السلبية او الايجابية، وبالتالي فان الجانب العاطفي يلعب دورا هاما، في تشكيل العلاقات الانسانية، وكذلك طريقة التعاطي مع الاخرين، فالعقل ليس حاكما في رسم العلاقات البشرية غالبا، حيث يترك البعض للجانب العاطفي هامشا كبيرا، في ادارة شبكة العلاقات الانسانية.

الاحكام المستندة على الجوانب العاطفية، لا تقود الى نتائج سارة، فهي معرضة للاهتزاز، وعدم الاستقرار، نظرا لافتقارها للنظرة العقلانية المتوازنة، مما يجعلها مرهونة بالتقلبات، والتحولات الكبرى، فالعلاقات القائمة على الجانب العاطفي، سرعان ما تتلاشى نتيجة تبدل العواطف مع الزمن، لاسيما وان الطبيعة البشرية في تقلب مستمر من ناحية المحبة والكراهية، وبالتالي فان شبكة العلاقات مرتبطة بالحالة العاطفية لاحد الاطراف، فاذا استمرت على مسار مستقر، فانها تواصل مسيرتها الايجابية، بينما تصاحب بالاضمحلال مع دخول في المسار المعوج، وتعرضها للتقلبات والتحولات العاطفية.

التحكم في العواطف يساعد على اتزان العلاقات، وكذلك إصدار الاحكام تجاه الاخر، خصوصا وان العاطفة الجامحة تحجب الرؤية عن اكتشاف الامور على حقيقتها، مما يدفع باتجاه اتخاذ مواقف خاطئة وكارثية، وبالتالي فان الحالة المتوازنة تشكل الخيار الأفضل في إصدار الاحكام، فكما ان الجانب العاطفي مطلوب، ويلعب عنصرا اساسيا في توطيد العلاقات البشرية، فان تحكيم العقل يحدث فرقا كبيرا في توجيه الانسان بالاتجاه الصائب، الامر الذي ينعكس على نوعية العلاقات الانسانية، وشكل الاحكام المتخذة، فهي تبتعد في الغالب عن العاطفة، وتحكم العقل قبل اتخاذ القرار، تجاه مختلف القضايا.

الاستعجال في الاحكام، صفة تتناقض مع رجاحة العقل، فهي تنطلق احيانا من إحاسيس عاطفية، بحيث تكون على شكل مواقف سريعة، انطلاقا من نظرة عاجلة وغير مدروسة، مما يترجم على اشكال مختلفة، واحيانا غير مفهومة على الاطلاق، خصوصا وان الاحكام تتطلب التأني والدراسة الواعية، عوضا من الحالة الفوضوية المستندة على النظرة العاطفية، وبالتالي فان بناء شبكة العلاقات المرتبطة بالجانب العقلي، تكون اكثر استقرارا واكثر استمرارا، بخلاف العلاقات القائمة على العواطف، فانها غير قادرة على الصمود لفترة طويلة، جراء فتور الجانب العاطفي مع الزمن.

تبقى الاحكام القائمة على الانطباعات الاولية، غير قادرة على وضع الشبكات الانسانية، في المسار الصحيح، نظرا لارتباطها بجانب عاطفي، وإغفال الجانب العقلي، مما يستدعي وضع هذه المخاطر في الاعتبار، وعدم الانسياق الكامل مع العاطفة، ومحاولة اعمال العقل، قبل اتخاذ المواقف على اختلافها، بحيث تكون قائمة على العنصرين، عوضا من تغليب احدهما على الاخر.

كاتب صحفي