آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 9:42 م  بتوقيت مكة المكرمة

التائه في الزمن

سبحانَ من خلقَ الوقتَ والزمان! لو سألتني متى كان شهر رمضان الماضي لقلتُ لك شهراً أو شهرين. تتوالى الأيامُ والسنواتُ بسرعة أكبرَ من الماضي. اليوم هو ذاته أربعٌ وعشرونَ ساعة والأسبوع سبعة أيام ولكن أحاسيسنا تغيرت فلم نعد نحس بالزمنِ نقاطاً منفصلةً وإنما يمر في خطٍّ متصلٍ دون انقطاع. كنا صغاراً في حاراتٍ صغيرة نشبه السمكَ في بحيراتٍ يسبح فيها ويصطدم بهذا الحدِّ تارةً ثم يرتد عنه إلى ذاك الجُرْفِ تارةً أخرى، والٱن نعيش في بحرٍ بل محيطٍ كبيرٍ نتعب من السباحة دونَ أن نصطدمَ بنهايةِ المحيط، وفي هذا المحيط الكبير تاه إحساسنا بالوقت.

يتجلى هذا الإحساس بتياهِ الوقت لمن عاشَ شهر رمضان في الماضي والحاضر. ما أطول الليل وما أطول النهار في الصغر، حتى تذكر اللعب صار مضجراً لأنه كان في الظلام والفقر. كان بشيءٍ من البساطة لكنها بساطة فرضها الإقتصاد والمكانة الجغرافية والرغبة في مرور الوقت ولم تفرضها المتعة والبهجة.

يوم أمسٍ مشيتُ مع أخويَّ علي وجمال في نزهةٍ قصيرة لتذكر الحي القديم، من هاجرَ منه ومن بقي، ومن ارتحلَ عن الدنيا كلها، فما رأينا بقي منه لنا سوى الذكريات، إذ كل من سكنَ الحي كبرَ أو هجره أو مات. دخلنا في نوباتٍ هستيرية من الجدلِ هذا بيتُ فلان أم بيت فلان؟ تذكرنا يوم كنا نطل من شرفةِ ونوافذِ المدرسة المستأجرة في بيتٍ صغير، وننظر الشارعَ من الشمال نراه في عرضِ مائة متر وهو ربما كان أقلَّ من عشرينَ متراً! كانت المساحاتُ ضيقةً ولكن أفقنا كان رحباً فوسعها، والٱن أصبحت المساحاتُ واسعةً وضاقت لضيقِ أفقنا ومدى رؤيتنا.

أنا خوفي عندما يتصل الوقت في خطٍّ مستقيم أن يتيه السائرُ فيه فلا فواصلَ بين مراحلِ اللعبِ والمرح، ومراحل الشباب والفتوة، ومراحل الشيخوخة، فترى الصغيرَ يلعب حتي يشيخ، ويكبر الصغير ويبيض شعره قبلَ الفطام. فإذا ما أنت الآن في نقطةٍ من نقاطِ العمر لا تتعجل مرورها، بل استشعرها واستمتع بها قبل أن تقفز منها لما بعدها.

يستضيفنا الزمنُ في كل شهورِ السنة فنحن من يرحل ويبقى الزمن، إلا في شهرِ رمضان، فنحن من يستضيف الزمنَ الذي يزورنا ثم يرحل رجاءَ أن يعودَ ليزورنا ويجدنَا في انتظارهِ مرةً أخرى. لاعجب في مخالفة شهر رمضان قواعد الزمن فهو يخالف الزمن وما يحويه من القواعدِ الحركية، ففي كل الزمن نقطة الصفر والسكون تبقى مسالمةً عديمةَ الفائدة دون جدوى، إلا في شهرِ رمضان، حيث نقطة النوم والسكون واللاشيء في الحركة تصبح عبادة! إذا كانت نقطة الصفر تعد مع الأعداد الموجبة، فكيف إذاً بمن نامَ بعد مشقةِ العبادة، لا نومَ الكسلِ والهروب؟

مستشار أعلى هندسة بترول