آخر تحديث: 25 / 6 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر ضيافة الله «2»

محمد أحمد التاروتي *

يشكل شهر رمضان المبارك انعطافة تاريخية في مسيرة الانسان، حيث يترك اثرا كبيرا على الصعيد الشخصي والاجتماعي، مما ينعكس على طريقة التعاطي مع الشرائح الاجتماعية، لاسيما وان الرغبة في الثواب تدفع باتجاه التحرك الجاد، للبحث عن سبل الخير، ومحاولة طرق أبواب النجاة بكل صدق، اذ تكون احيانا في العلن ”إِنَّ صَدَقَةَ الْمُؤْمِنِ لَا تَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يُفَكَّ عَنْهَا لَحْيَا سَبْعِينَ شَيْطَاناً، وَ صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، فَإِذَا تَصَدَّقَ أَحَدُكُمْ فَأَعْطَى بِيَمِينِهِ فَلْيُخْفِهَا عَنْ‏ شِمَالِهِ‏“، وتارة في السر، ”صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ“.

الصدقة بما تحمل من قيم اخلاقية، تعكس الكثير من المعاني، سواء على المتصدق او المتصدق عليه، فهي تمثل احساسا من لدن المقتدر بمعاناة الفقير، ومحاولة التقليل من المعاناة، التي يكابدها في التغلب على الظروف المادية الصعبة، مما يولد حالة من الرضا والشعور بنوع من التكافل الاجتماعي، خصوصا وان ترك الفقير يكابد المعاناة دون تقديم المساعدة له، يمهد الطريق امام التفكك الداخلي في المجتمع الواحد، الامر الذي ينعكس سلبا على العديد من الاصعدة، منها انتشار بعض الظواهر الاجتماعية السلبية، فالظروف القاهرة تجبر احيانا على انتهاج سلوكيات خاطئة، ”تَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِكُمْ وَ مَسَاكِينِكُمْ وَ وَقِّرُوا كِبَارَكُمْ وَ ارْحَمُوا صِغَارَكُمْ وَ تَحَنَّنُوا عَلَى أَيْتَامِ النَّاسِ يُتَحَنَّنْ عَلَى أَيْتَامِكُمْ“.

التكافل الاجتماعي يتجلى في شهر رمضان عبر الاعمال العديدة، منها الموؤنة الرمضانية التي يتم توزيعها، عبر الجمعيات الخيرية او اللجان الأهلية، وكذلك بواسطة المبادرات الفردية التي تستهدف بعض الاسر المحتاجة، بالاضافة الى المبادرات الخاصة بكسوة العيد للاسرة الفقيرة، وبالتالي فان شهر رمضان يبعث في النفوس عمل الخير، والحرص على العطاء، خصوصا وان الشهر الفضيل يمثل فرصة زمنية محدودة، مما يتطلب استغلالها بالشكل اللائق، ”ذهاب الفرصة غصة“، مما يدفع للمسارعة في التقرب الى الخالق، عبر مساعدة الاسرة المحتاجة.

برامج التكافل الاجتماعي تحث على عمل الخير، خصوصا وان البعض لا يمتلك القدرة على تصنيف الاسر المحتاجة، مما يدفعه احيانا لتقديم المساعدة في الطريق الخاطئ، او التراخي عن تقديم المعونة، وبالتالي فان برامج التكافل الاجتماعي تفتح الابواب امام الجميع، للانخراط في طريق العمل الصالح، الامر الذي يشجع الجميع على تقديم المساعدة، للتقليل من المعاناة التي يكابدها الفقراء، لاسيما وان الصيام يشعر المرء بعطش وجوع الفقراء.

عطاء شهر رمضان المبارك كبير وغير محدود، فالأسر الفقيرة لا تشعر بالغرابة والفاقة، نظرا لوجود أطراف عديدة تتحسس معاناتها، وتعمل على تقديم المساعدة، لانتشالها من حالة العوز، الى حالة من الاستقرار المادي والنفسي، لاسيما وان الشعور بوجود بنوع من المشاركة في المعاناة، يحدث حالة من الرضا النفسي، وبالتالي تمهيد الطريق امام التماسك الداخلي، مما ينعكس ايجابيا على مستوى العلاقات الاجتماعية، فالفقير الذي لا يجد العطف والمساعدة، يشعر بحالة من الخصام مع المجتمع، بمعنى اخر، فان التكافل الاجتماعي الذي يبرز بمختلف الأشكال، مع إطلالة الشهر الفضيل، يقضي على المشاعر السلبية، لدى الفقراء تجاه المجتمع.

كاتب صحفي