آخر تحديث: 25 / 6 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر ضيافة الله «3»

محمد أحمد التاروتي *

تفرض روحانية شهر رمضان المبارك، سلوكيات مغايرة تماما عن بقية السنة، لدى البعض، فيما يعزز الشهر الفضيل الكثير السلوك لدى البعض الاخر، لاسيما وان شعيرة الصيام تحدث اثرا عميقا في النفوس، مما ينعكس بصورة مباشرة او غير مباشرة على التعاملات الاجتماعية، بحيث يتلمس الكثير وجود هذه التحولات، خلال ساعات الصيام، وكذلك اثناء ساعات المساء.

الوقوف على الأثر الروحي لشهر الصيام، لا يتطلب الكثير من الجهد، فالاستقبال غير الاعتيادي لدى كافة المسلمين في اصقاع العالم، يكشف المعاني الروحية للشهر الفضيل على النفوس، لاسيما وان العطاء الكبير لشهر الصيام، يحفز على التعاطي بشكل مختلف مع دخول شهر الله، خصوصا وان التزود من عطاء شهر رمضان يتطلب تهيئة النفوس، بما يستحقه افضل الشهور ”انه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهرٌ هو عند الله أفضلُ الشهور“.

عملية التزود من الطاقة الروحية لشهر رمضان، مرتبطة بمدى الاستعداد النفسي، للحصول على بركة الشهر الفضيل، ”فإنها أفضل الساعات - ساعات رمضان - ينظر الله عز وجل فيها بالرحمة إلى عباده، يُجيبهم إذا ناجوه، ويلبّيهم إذا نادوه، ويستجيب لهم إذا دعوه“، بمعنى اخر، فان محاولة تكريس السلوكيات الحسنة امر مطلوب على الدوام، بيد ان مجرد المحاولة دون التحرك العملي ”لا يغني من الحق شيئا“، مما يستدعي خلق الاجواء الملائمة للتحلي بالسلوكيات الحسنة، سواء خلال التعاملات في الإطار الضيق «الاسرة»، او التعاملات مع البيئة الاجتماعية الواسعة، فالمرء بامكانه اكتساب العادات الفاضلة، وكذلك السلوكيات الطالحة، نظرا لوجود القابلية لاكتساب مثل هذه الممارسات، بالنظر الى البيئة الاجتماعية، وكذلك المحيط المؤثر «الاصدقاء».

بالاضافة لذلك، فان تعزيز السلوكيات الحسنة يتطلب مواصلة العمل عليها، وعدم انتهاج ردات الفعل او المعاملة بالمثل، فالشهر الفضيل يفرض التجاوز عن الإساءة، عبر التجاهل وعدم الانجرار، وراء مختلف انواع الاذى، لاسيما وان الخشية من خدش الصيام تدفع باتجاه ضبط الاعصاب، والسيطرة على الغضب، الامر الذي ينعكس بصورة مباشرة على شكل العلاقات الانسانية، وبالتالي فان إرادة الخروج بحصيلة اخلاقية فاضلة طيلة الشهر الفضيل، مرهونة بمدى استيعاب جزء من الحكمة الالهية، لفرض الصيام على المسلمين، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى? وَالْفُرْقَانِ.

الرهان على عامل الزمن في احداث تحولات في السلوكيات الاخلاقية، ليس حاسما على الدوام، فالبعض يكتسب الحكمة مع تقادم العمر، والاستفادة من التجارب الحياتية، بيد ان المحطات المفصلية تمثل احد العناصر الاساسية، في احداث تغييرات جوهرية في مجمل السلوكيات الانسانية، فهذه المحطات الزمنية قادرة على اختصار الزمن كثيرا، نظرا لما تمتلكه من قدرة كبرى في احداث انقلاب كبير لدى الانسان، وبالتالي فان المرء مطالب بالاستفادة من شهر رمضان المبارك، من اجل تحقيق توازن بين الظاهر والباطن، في مجموعة القيم الاخلاقية، خصوصا وان القدسية الكبرى التي يحظى بها شهر رمضان، تشكل احد المحركات الذاتية لترك بعض السلوكيات، واستبدالها باخرى حسنة، على الصعيد الشخصي او الاجتماعي.

كاتب صحفي