آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 11:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

نقيقُ الضفادع

لم يبدأ آينشتين في الكلامِ إلا متأخراً، حتى أصابَ والديه القلق، لكنه أخيراً وعلى مائدةِ الطعام قال جملةً كاملة: ”إنَّ الحساءَ حارٌ جداً“. ولما سأله والديه: لِم لَمْ تنطق كلمةً واحدة قبلَ اليوم؟ قال: ”كان كلُّ شيء جيد قبل الآن“!

في كل حينٍ تثبت لنا الحياةُ أن الصمتَ أجدى وأنفع من الكلامِ الذي لا يصلح إلا أن يكون أمواجاً متناثرةً في الهواء. ذاك الصمت الذي كان في القديم بمعنى أن يصومَ اللسانُ عن الكلام، أما اليوم فأيضاً أن تصومَ الأصابعُ عن النقر، والعينُ عن رؤيةِ المناظر المستفزة والأذنُ عن الصخب. في عالمِ تفسيرِ الرؤيا من رأى ضفدعاً لا ينطق فربما يؤول بانسانٍ له كلامٌ عند صاحبِ الرؤيا لا يستطيع أن ينطقَ به إليه فيعتبر حاله في ذلك واستدل بقولِ الشاعر:

قالت الضفدعُ قولاً فهمتهُ الحكماءُ

في فمي ماءٌ وهل ينطق من في فيه ماءُ؟

أما في الواقع فالصمتُ يعني أنَّ: ”ما كل ما يُعلم يُقال، ولا كل ما يُقال حان وقته، ولا كل ما حان وقته حضر أهله“. لكن كيف يكون والمدنية الحديثة تعطي قيمةً أعلى للكلامِ والمتكلمين؟ لا يهم من المتكلم أو ماذا قال، فمن لا يتكلم هو سلبي لا يساهم في الضوضاء الذي يلف الدنيا مثل الظلام! في حين أن الصوم عن الكلامِ ترتد طاقته في بلورةِ التفكير وتجديده وتنظيمه، وترتيب أولوياته. كان الفراعنة يعتبرونَ الإنسان الصامت هو ”الأكثر حكمة“ ويحظى بحب ورعاية الملك. أما كثير الكلام فيعتبرونهُ من ”الحمقى“ ومن المبعدين عن الملك، وليس أرقى من الحكمةِ العربية التي تقول ”خير الكلامِ ما قل ودل“. أما علي بن أبي طالب فيضع الصمتَ في حكمته ”صومُ القلبِ خيرٌ من صيامِ اللسان، وصوم اللسان خيرٌ من صيامِ البطن“.

كل جسم فيه طاقة محدودة، إما تنصرف في الثرثرة، أو في الاسترخاء والصمت عندما ينفتح العقل في هدوء على مكنونات الكون. هل في شهرِ رمضان سر الصمت حين يسلب الجوعُ الإنسانَ جزءً من طاقته فيلزم الصمتَ وتندفع طاقته نحو الفكر في الأشياء! ربما كان في السابق حين لا صوت إلا صوت الطبيعة، أما الآن فكل شيء يضج من حولنا ويدفع حواسنا نحو الكلام والرؤية والسمع!

مستشار أعلى هندسة بترول