آخر تحديث: 25 / 6 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر ضيافة الله «8»

محمد أحمد التاروتي *

ايجاد التوازن في الحياة امر مطلوب، فالاعتدال في مختلف الامور، يسهم في إظهارها بالشكل اللائق، بعيدا عن مبدأ الإفراط والتفريط، فاذا غطى جانب على اخر تكون النتائج كارثية، بحيث تبدأ المشاكل في الظهور بشكل مقلق، نظرا لانفراط عقد التوازن في التعاطي مع الامور، وبالتالي فان السير وفق قاعدة ”خير الامور أوسطها“ يحقق الغاية، ويحول دون الوقوع في المحظور.

عملية التوازن في الاكل، والاتزان في الشرب، مطلوبة على الدوام، فاذا ترك المرء العنان الى شهوة الطعام، فانها تترك اثرا سلبيا سواء خلال المدى القصير، او المتوسط او البعيد، ”البطن بيت الداء“، وبالتالي فان وضع برنامج دقيق لطريقة تناول الطعام، يقود الى الحفاظ على الصحة، ويقلل من الامراض، بيد ان البرنامج لا يعني العزوف الكامل عن الاكل والشراب، انطلاقا من قاعدة ”ان لجسمك عليك حق“، مما يساعد وضع الامور في النصاب الصحيح.

الاسلام وضع قاعدة واضحة، لاحداث التوازن في تناول الطعام، من اجل الابتعاد عن النهم والشره في الاكل، ”نحن قوم لا نأكل حتى نطوع واذا اكلنا لا نشبع“، ”فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا“ وبالتالي فان وضع هذه القاعدة في الحسبان، يقود الى التعاطي بعقلانية مع نعمة الطعام، ”ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه“.

النظرة الملتبسة تقود الى نتائج خاطئة، فيما تكون النتيجة صائبة، عندما تكون النظرة صحيحة، فالنتائج مرتبطة بالمقدمات في الغالب، الامر الذي يفرض التفكير مليا قبل اتخاذ الخطوات، نظرا للاثار المترتبة على الاعمال الارتجالية او الخاطئة، وبالتالي فان التعاطي المشوش مع فريضة الصيام، يقود الى أطنان من الأطعمة التي تجد طريقها نحو ”الزبالة“، نتيجة الإسراف في قوائم الطعام على المائدة، منذ اليوم الاول للشهر الفضيل، بحيث يخرج شهر رمضان مع زيادة الوزن لدى البعض، فيما يفترض حدوث العكس جراء ساعات الصيام الطويلة.

ساعات الصيام الطويلة خلال شهر رمضان، بمثابة برنامج عملي على قدرة المرء، على الامتناع عن الاكل، والشرب لساعات عديدة، بالاضافة لكون الصيام يساعد على تقوية الارادة، في مواجهة شهوة الطعام والشراب، الامر الذي يحفز على انتهاج مبدأ التوازن في التعاطي مع الاكل طيلة السنة، لاسيما وان تجربة شهر الصيام تشكل انطلاقة حقيقة، باتجاه السيطرة على هذه الشهوة، من اجل اعتماد مبدأ ”ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه“.

بالاضافة لذلك فان شهر رمضان، يشعر الانسان بما حوله من الفئات الفقيرة، والمحرومة، فضلا عن الشعور بأهوال يوم القيامة، حيث الجوع والعطش في يوم المحشر، وبالتالي فان شهر الصيام يولد معاني مادية، يمكن تلمسها في مقدار البذل والعطاء على الفقراء، والمعاني الروحية والمعنوية بما يمثله الجوع والعطش، من تجربة قصيرة، بالمقارنة مع الوقوف الطويل في يوم الحساب، "واذكُروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه "

كاتب صحفي