آخر تحديث: 23 / 9 / 2019م - 10:18 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حوار الفقعسي وأهمية إعمال العقل!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

”ندمت أني لم أستخدم عقلي“، يقول القيادي السابق في تنظيم ”القاعدة“ على الفقعسي في حواره مع الزميل عبدالله المديفر.

الفقعسي ندم أيضا على أنه انجرف وراء عاطفته. معتبرا أن تقديس العلماء، وتعقيد الدين وتكثيره، أسباب رئيسة في نمو التشدد، وأن ذلك ساهم في خلق أرضية خصبة، قادت لانضمام كثير من الشباب كما أطلقت عليها فترة ”الصحوة“ التي حرضتهم على العنف والانتماء تاليا لـ ”القاعدة“، وفي سنوات لاحقة لـ ”داعش“، التي كانت النسخة الأكثر سوداوية ودموية!.

أهمية حوار الفقعسي، أنه مع شخصية كانت لها أدوار مهمة، وأنه تحدث عن مفاصل مهمة في تفكير ”القاعدة“، والجدل بين أفرادها وقياداتها، وعلاقاتها مع المحيط من حولها، والفرق بينها وبين ”داعش“. وهي تفاصيل رغم بساطتها، إلا أنها مهمة جدا، ويغفل عنها كثيرون، أو لا يعيرونها انتباها، إلا أنها مفتاح رئيس لفهم سلوكيات وأنماط العمل لدى المنظمات الأصولية.

برأيي، نقطتان جديرتان بالوقوف عندهما مليا، في حوار الفقعسي:

أهمية الاستقلال الفكري وتقديم العقل. فهو تحدث صراحة أن أكثر شيء يندم عليه أنه لم يُعمل عقله. وهو الخطأ الذي يقع فيه الكثير من الشباب، حينما يسلمون أذهانهم لشخصيات دينية أو مؤدلجة، ينصتون لها بتبجيل بالغ، وقداسة كبيرة، وكأن حديثها هو الحق المطلق. هذا التغييب للعقل، يقود لانعدام شخصية الفرد، وضعفها، وفقدانها الاستقلالية، وبالتالي تتحول إلى مجرد تابع مطيع، وعنصر ضمن شبكة واسعة من الأتباع، التي تنفذ الأوامر، دون السؤال أو التحقق أو التثبت. وهو ما يُحول كثيرا من الشباب لأدوات للموت والتفجير.

2. دور الإصلاح الإداري في السجون في عملية التغيير الفكري والسلوكي. حيث إن الظروف التي يعيشها الفرد أثناء فترة توقيفه أو التحقيق معه، وتاليا محاكمته، تؤثر عليه بشكل كبير جدا، نفسيا وذهنيا وجسديا، وينعكس على شخصيته مباشرة.

هذه الظروف السجنية، أشار علي الفقعسي، إلا أنها تبدلت مما أسماه نظام ”الخزنة“، إلى ”أجنحة إدارة الوقت“.

في السابق كان النزلاء يمكثون في غرفهم، دون اختلاط مع الآخرين، أو المسؤولين في السجون، مما يخلق بيئة ”تتكاثر فيها الفطريات الفكرية“ بحسب تعبير الفقعسي. إلا أن التبدل في طريقة المعالجة، وتنوعها، وعدم اقتصارها على الحلول الأمنية، وإنما انفتاحها على أنماط حديثة، مدنية الطابع، ترتكز على العلاجات الاجتماعية النفسية، التي تخلق فضاء جديدا، يدفع نحو التفكير الإيجابي، والعمل المشترك بين الموقوفين والمدربين والمسؤولين في الأقسام السجنية المختلفة.

هذا النوع من التغير في البيئة الداخلية للسجن وخدماته المتوفرة، دفع الفقعسي إلى أن يتغير بشكل أفضل، ويراجع أفكاره بروية وهدوء، خصوصا أن المجال صار أمامه أكثر اتساعا، وخرج من بيئة ”الفطريات الفكرية“، إلى مساحة يشارك الآخرين فيها النقاش والسؤال والعمل والإنتاج.

إن العقل إذا استقل، والحلول إذا تنوعت دائرتها، والبيئة إذا تحسنت شروطها الإنسانية والمادية والقانونية، كل ذلك سينعكس إيجابا في عملية الحد من الفكر المتطرف، ودفع الموقوفين إلى التغيير الحقيقي، وتحويلهم إلى مشاركين في تنمية المجتمع وتحديثه.