آخر تحديث: 19 / 6 / 2019م - 11:44 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شهر ضيافة الله «16»

محمد أحمد التاروتي *

أبواب الخير واسعة ومتعددة، فهي لا تختزل في ممارسات محددة، فرضها الموروث الثقافي او العادات الاجتماعية، فالبعض ما زال يؤطر عمل الخير، ضمن سقف ثقافي منخفض للغاية، مما يحول دون انطلاق سفينة الخير في البحر الواسع، الامر الذي ينعكس على محدودية الخيارات المتاحة، فيما بالإمكان اغلاق بعض المسارات المصاحبة بالتخمة، وفتح مسارات جديدة ما تزال جائعة، نتيجة محدودة التفكير الاجتماعي السائد.

رفض الموروث الاجتماعي المنغلق، على مسارات معينة لاعمال الخير، يمثل الشرارة الاولى للدخول في عالم جديد ومغاير تماما، بحيث ينعكس بصورة مباشرة على الاليات المتعارفة، في عمل الخير الاجتماعي، خصوصا وان الانغلاق والاستسلام يحرم المجتمع، من الكثير من الأنشطة ذات الأثر الايجابي، على المدى القريب والمتوسط والبعيد، وبالتالي فان الرفض والخروج عن المألوف، يمثل انعطافة حقيقية باتجاه خلق واقع جديد، في منظومة العمل الخيري الاجتماعي.

تجاهل جميع الأصوات المعارضة، ومحاولة امتصاصها، وعدم التصادم المباشر، يفتح الطريق امام نشر الثقافة الجديدة في العمل الخيري، خصوصا وان عملية اقتلاع الموروث الاجتماعي القديم، يتطلب الكثير من الجهد، والقدرة على المواجهة، ومقاومة الضغوط الكبيرة، لاسيما وان الحرس القديم يحاول الوقوف امام جميع محاولات التحديث، او الانسلاخ من جلد الماضي، مما يدفعه لاستخدام مختلف انواع الضغوط، لابقاء الامور تحت السيطرة، تارة بالتهويل من التداعيات السلبية الناجمة، عن ”الكفر“ بالموروث الاجتماعي القديم في العمل الخيري، تارة اخرى التشكيك في الاغراض الحقيقية، وراء اطلاق الثقافة الجديدة، الساعية لتطوير اليات عمل الخير.

القدرة على الاندماج التدريجي، او محاولة احداث حالة من التزواج، بين الثقافة الجديدة، والموروث الاجتماعي القديم، في العمل الخيري، يشكل مدخلا اساسيا في اتجاه امتصاص ردات الفعل العنيفة، لاسيما وان المرونة في التعاطي مع التحولات المتسارعة، يعطي المجتمع القدرة على الانتقال المرن، من مرحلة لأخرى دون وجود سقطات كبرى، وبالتالي فان الانتقال السلس والاستفادة من التطور الفكري الانساني، يحدث قفزات نوعية في توسيع أبواب الخير، بشكل أفقي وعمودي، خصوصا وان التطور مطلوب في مختلف المجالات، ولعل أبزر تلك المجالات هي العمل الخيري، من اجل إخراجه من النمط التقليدي، للفضاء الرحب والواسع.

وجود عناصر قادرة على اطلاق المبادرات الجديدة، احدى الوسائل الهامة في مجال كسر الروتين، في مجال العمل الخيري، خصوصا وان ”الحاجة أم الاختراع“، فالاحتياجات العديدة لتطوير ثقافة الخير، تدفع باتجاه التحرك الابتكاري المستمر، وبالتالي فان العناصر الابداعية اداة حقيقية، لإخراج العمل الخيري من التقوقع، والخروج من شرنقة التفكير الضيق والمحدود، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ? وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ بمعنى اخر، فان الخروج من الصندوق يتطلب وجود تفكير، اكثر تحررا من الإطار المحدود السائد، مما يستدعي العمل الجاد في مجال القضاء، على النمط التقليدي الجاثم على التفكير الاجتماعي.

شهر رمضان المبارك احدى المحطات الزمانية، لإعادة التفكير في بعض الممارسات التقليدية في العمل الخيري، مما يحدث تحولا كبيرا للنهوض بالثقافة الخيرية، في مختلف الاصعدة، لاسيما وان العمل الخيري يكشف البذرة الصالحة، لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، "أيها الناس إنّ أبواب الجنان في هذا الشهر مفتَّحة فسَلُوا ربكم أن لا يغلقها عليكم"

كاتب صحفي