آخر تحديث: 23 / 9 / 2019م - 9:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

التدبر في التفكير

سهام طاهر البوشاجع *

اشتهر الفيلسوف ”ديكارت“ بالمقولة الأكثر جوهرية بين المقولات «أنا أفكر إذن أنا موجود».

ويقول ”إكهارت تول“ في كتابه ”قوة الآن“ «أن العقل يستخدمك وأنت متحد معه على نحو لا شعوري ولذلك فأنت لا تعرف حتى أنك تعبده».

وبين ديكارت وإكهارت وجدت نفسي أكتب هذا المقال الذي بالفعل لطاما وددت أن أكتبه ليناقشه القراء معي ولو في عقولهم فلربما نطقت أحداها بحل يشع نورا مريحا ويبعث على الطمأنينة النفسية.

لقد كررت عبارات «إن عقلي دائما مشغول ولا يهدأ» من قبل الكثيرين هذه الأيام فازداد يقينا بأن العقل لا ينام وإنما يظل يقلب صفحات الماضي ويبعثر أوراق المستقبل ويعيش لحظة الحاضر في وقت واحد كشريط فيلم يعرض وتحركه آلة تقدمه وتأخره وتثبته متى ما رغبت في ذلك.

وبذلك أنت تعيش ثلاث حالات في ذات التوقيت وتستغرق في التفكير أحيانا في الماضي أكثر من الحاضر وأحيانا في المستقبل أكثر من الحاضر وأحيانا تنسى الحاضر بتاتا وتنشغل عنه وتنسى حتى وجودك فيه

لقد أشار ”ديكارت“ عن حقيقة وهي أن التفكير الذي ناسبه طرديا مع الوجود هو لب الحياة والتي هي ضد الموت وأصل الوجود والذي هو منافي لعدمه وإن كان ”ديكارت“ يشير إلى التفكير لمجرد التفكير فهو لم يأتي بحقيقة مذهلة فما يزال العقل يفكر كعضلة القلب حين تخفق لا يوقفها إلا الموت ولكن كان بالتأكيد يشير إلى معنى آخر من التفكير وهو التفكير في خارج الصندوق وخارج نطاق الماضي والمستقبل وحتى الحاضر هو يشير إلى الإبداع في التفكير الذي لا يحده لا زمان ولا مكان ومن هنا يخشى على الإنسان أن يستعبده العقل كما أشار ”إكهارت“ إلى ذلك فيجعله أسير في عالم ربما يحتاج إلى تفسير لمن يراه فيه.

لكن ”إكهارت“ كان يركز على قوة اللحظة الآنية ويدعو إلى ألا يعيش الإنسان حزن ما قد فات وألا يعيش في متاهات المستقبل المجهول والذي قد يزينه لنا العقل بصورة وأخرى وكأنها تبدو أحداث حقيقة سيمر بها الإنسان حقا إذ رسمها داخل عقله بكل احترافية.

المرء مسكين إن لم يوظف تفكيره فيما يحقق أهدافه المرسومة وهو جاهل إن لم يكن واعي لتلك الأهداف وكيف تحقق، تقول إحداهن «بالأمس قررت أن أذهب لأحضر ”زبدة“ من الثلاجة ودخلت المطبخ ومررت بالثلاجة فقمت بمسح بابها بفوطة كانت أمامي ثم مررت على الفرن وغسلت سطحه وقمت بتنظيف المدخنة التي تعلوه ثم ما أن هممت بالاسترخاء على الأريكة حتى تذكرت بأني لم أستخرج ”الزبدة“ من الثلاجة» كان عقل هذه المرأة مشغول بالفعل إذ كان يفكر مسبقا في أن باب الثلاجة بحاجة إلى تنظيف وكذلك المدخنة والفرن ولعلها فكرت في ذلك مسبقا وما قام به عقلها في تلك اللحظة هو أن أدخل الأمور في بعضها متغافلا عن لحظة ”الآن“ وهو الحاضر ففعلت ما فكرت فيه في الماضي وما كانت ستفعله لاحقا في المستقبل ليصبح المستقبل «الآن» ويجعل «الآن» إلى المستقبل.

إنها فلسفة عقلية ناجحة معقدة ولكنها ببساطة هذا ما يفعله بنا التفكير باستمرار لذا نجد أنفسنا نبحث عن الراحة في اختيارات طلعاتنا أو سفراتنا فالكثير يبحث عن الهدوء العقلي والنفسي بين رحاب الطبيعة أو في أماكن هادئة يعتقد فيها بأنه سيوقف عقله قليلا من صخب التفكير وعن إدخال الإحداثيات الزمنية بعضها ببعض وألا تعيش الأرواح والأنفس أدورا هي ليست أدوارها الآن.

باعتقادي أن من تدبر في تفكيره كمن تدبر في قراءاته وتساءل ”كيف ولماذا ومتى وأين“ سوف يريح عقله من الدخول في تلك الدهاليز المتداخلة مع بعضها البعض وسوف يعيش الحاضر بأمان دون أن يشعر بأنه كآلة زمن أدير مفتاحها مرة إلى وقت بعيد للخلف ومرة إلى وقت قريب للأمام مرورا باللحظة التي نعيشها دون أن تتوقف عندها، متى ما كان الإنسان واعي ومتدبر في هذا الأمر متى ما أحسن اختيار لحظات هدوء تفكيره في عقله.

كاتبة ومحررة في صحيفة المنيزلة نيوز