آخر تحديث: 20 / 9 / 2019م - 8:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

فرغت فؤاده لحبك

الحب هو ذاك الشعور الوجداني الذي يدغدغ مشاعرنا ويتملك أنفسنا نحو ما يمتلك مقومات الجاذبية والجمال، ومع اختلاف المدارس والرؤى في تعريفه وتقديره وتجذيره يبقى الاتفاق على منبعه وآثاره، فالحب ضياء يشرق ويمتد مشعا في كل مناحي الحياة ويكسبنا راحة البال والأمان والأمل، ولا يمكن أن يكون يوما سببا للبلاء والشقاء والحرمان، ولا يخلف في النفس من الذكريات ما يسوء بل هو امتداد للجمال والسرور، فهل يمكن لشيء من المحبوبات أن تورث الأفراح وتختفي عنها الآلام والأحزان؟

لو نظرنا إلى دنيانا سنجدها محض التلون بالآلام والمنغصات والبؤس ولا تصفو مشاربها لأحد، فمجرد التفكير في الرحيل عن الدنيا يوما وتخليف كل شيء من ورائنا، يكسب أصحاب العقول الوعي والوقاية من الافتتان بحب شيء من نعيم سنرحل عنه، فهل يستحق منا كل ذاك الجهد والتفكير والانشغال بما سنختفي عنه ونخرج خاليي الوفاض إلا من قطعة كفن تستر أبداننا، فالآمال بما سنفارقه لا محالة كعشم العطشان بما يتراءى أمام ناظره من سراب يحسبه زلالا، فالحب لهذه المعشوقات لا يدوم وله أمد محدود لا نعلمه لكن اليقين بمفارقتها يقطع حبل الوصال والمودة لها.

ومحدودية قدراتنا تفقدنا الوثوق بظفرنا بها على نحو الاستمرار، فالحياة لا تسير بوتيرة واحدة وهذه سنة فيها لا يستثنى منها أحد فسرورها ممزوج بحزنها وهمها.

إذا كان هناك من شعور واع وصادق فليكن لما يتصف بالدوام والقوة في الظهور، ويحمل كل آيات الجمال وإشراق الأنفس نحوه بالشعور بالأمان وليس هناك إلا الله تعالى الخالق المنعم، فبقربه لا تلحظ وجودا للحزن بل هو الأمل بالاستظلال برحمته وكرمه، ولا تكلف ولا مشقة في حظيك بوجوده معك إلا فقط أن تستشعر في قلبك حضوره معك، وكل ما حولنا يذكر بجمال الصنع والإبداع لله عز وجل، ولا انكشاف لرحمته إلا أن تدير ظهرك وتغشاك الغفلة وشرة السهو، لا يحب لك إلا الكمال والاتصاف بكل ما هو جميل من الأفعال والعذب من الأقوال، وإن أغضبته بتنزلك لوحل الرذيلة ومآواتك للضعف لأغلال الشهوات المذلة، فإن شعورك بالندم مهما تأخر ورغبتك بتلمس تحنانه لك كاف في إعادة حبل الوصال، بلا استحضار ولا ترتيب أثر على ما مضى منك من سوء بل يمحى، ولم يجبرك على حبه والبقاء في دائرة طهارة النفس التي يريدها لك أو التخلي عنها والاتجاه نحو جموح النفس، بل وهبك قبسا هاديا لك ويساعدك على اختيار طريق الصواب.

وحبه تعالى لا يهبك الضعف وإحاطة الهواجس والقلق بك، بل يهبك قوة التوكل والثقة بالنفس ويدفعك نحو خوض غمار التحديات والمصاعب دون توتر؛ ليقينك بأن مقاليد الأمور تدبيرها وتسييرها وفق الحكمة والعدل بيده سبحانه فلم الخوف؟

والخلاصة أنه لا مجال للمقارنة بحب الآخرين فقد ينقلب أقرب المقربين إلى عدو شرس وينقلب الانجذاب إلى برود في العاطفة وقد يتطور إلى التجاهل والكراهية، وما حولنا من أسباب القوة من مظاهر وممتلكات فإنها لا حظ لها من الحب فهي بعد دون آجالنا ورحيلنا بدقائق تدير ظهرها نحو غيرنا!

إن كنت صاحب عقل واع فسيرشدك نحو حب ما لا يورثنا قربه الحزن والهموم والآلام النفسية بالخوف من فراقه، فلنترك العشق للزائل المتزلزل في وجوده معنا فلا صحبتها والهيام بها يمدنا بالراحة والسرور، بل وجودها في قلوبنا كالقبضة باليد على الجمر تحرقنا، فالمنغصات والمخاوف تصحبها كالظل لا تفارقها، وإن لم نظفر بها بعد طول تخطيط وتنفيذ فستصيبنا الحسرة والندم، فلم يبق لمن لا غشاوة على بصره وبصيرته إلا منح حبه للواحد القهار وما يذكره به من كناب يقرأ آياته وأولياء حققوا حبه قولا وعملا نتخذهم نبراس قدوة يسير على نهجهم.