آخر تحديث: 27 / 10 / 2020م - 4:08 م

في ذكرى شهادة الإمام علي بن ابي طالب

محمد المحفوظ *

في الخطبة الأولى التي افتتح فيها الامام علي عهد الخلافة جاء فيها: ان الله سبحانه انزل كتابا هاديا بيّن الخير والشر.. فخذوا نهج الخير تهتدوا..

حين التأمل في شخصية الأمير نجده هو النبع الذي يمنح الحياة عقلا وروحا ويقظة وقوة وصلابة سواء على مستوى الإيمان أو على مستوى الموقف.. لانه ببساطة شديدة كان يجمع كل قيم الإسلام في كل حركاته وسكناته.. لانه كما قال له رسول الله ﷺ «يا علي انك ترى ما ارى وتسمع ما اسمع ولكنك لست بنبي»..

كان السبّاق دوما إلى كل مواطن الخير والنفع لعباد الله «لم يسبقني الا رسول الله بالصلاة»..

عظمة علي نابعة من بعده الكبير من الباطل والتصاقه المطلق بالحق.. لذلك حينما وصل الى الخلافة تحدث إلى المسلمين جميعا «ليس امري وأمركم واحداً انني اريدكم لله وأنتم تريدونني لانفسكم، والمجتمعات الإنسانية بصرف النظر عن ايدلوجياتها ومنظومتها المعرفية وعلائقها الداخلية والخارجية تستند إلى احد العناصر التالية:

1 - علاقات تستند الى نظام القوة، بحيث الغني يزداد غنى والفقير فقرا.. بحيث لا توجد منظومة ضابطة او منظمة للحركة الاجتماعية الا القوة سواء كانت عسكرية او سياسية او اقتصادية..

2 - العقد الاجتماعي - السياسي: ثمة مجتمعات أخرى هناك عقد وميثاق وعهد ينظم العلاقات بين أفراد المجتمع، لمنع التعدي والظلم وانجاز مفهوم العدالة في العلاقات الاجتماعية..

والعقد عبارة عن منظومة من القوانين والإجراءات التي تنظم العلاقة بين شرائح وأفراد المجتمع، ويحمي مصالحهم، ويمنع التجاوزات بكل صورها بين الناس..

3 - نظام التراحم: ولم يكتف الإسلام لضبط العلاقة بين دوائر المجتمع بإرساء العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة ويمنع التجاوز بكل اشكالها، وإنما دعم نظام العقد بنظام تراحمي - إحساني.. بحيث تكون العلاقة ممزوجة بين القانون والرحمة، بين نيل العدالة وإشباع البعد الإنساني..

والسؤال الذي نطرحه في هذا السياق هو: ما هي مرتكزات العقد الاجتماعي في الرؤية العلوية..

1 - حفظ واحترام الالتزامات التعاقدية، التعاهدية، الميثاقية في كل المستويات والدوائر..

قال تعالى «يا أيها الذين امنوا أوفوا بالعقود».. وقال ورسول الله ﷺ فيما عهد الى الامام علي «وإياك والغدر بعهد الله والأخفار لذمته»..

ويقول الامام علي «الغدر شيمة اللئام» «الغدر يضاعف السيئات» «إياك والغدر انه اقبح الخيانة» «يا أيها الناس ان الوفاء توأم الصدق»..

2 - نبذ الأنانية ومساواة الآخر بالذات:

يقول الامام علي «وأحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويكرهه لعامة المسلمين»..

وفي وصية الأمام علي لابنه الامام الحسن «يا بني اجعل نفسك ميزانا بينك وبين غيرك فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك واكره له ما تكرهه لها».. وفي رواية أخرى فانصفوا الناس من انفسكم..

3 - مساواة الظاهر بالباطن:

وأحذر كل عمل يعمل به في السر ويستحي منه في العلانية..

4 - ابدأ من نفسك كفرد وأسرة «ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القوم»..

انطلاقا من هذه الحقيقة الاجتماعية، سنقترب من عهد الجوار وميثاق الجيرة بين المؤمنين.. لاننا نعتقد ان صلابة المجتمع الداخلية، نابعة من سلامة. دوائر العلاقة بين شرائح المجتمع.. ولعل من ابرز الدوائر التي تتتضح فيه هذه العلاقة هي دائرة العلاقة بين أهل الحي الواحد «الجوار والجيرة»..

أولا: الجوار والجيرة في روايات المعصومين:

قال رسول الله: الجيران ثلاثة فمنهم من له ثلاث حقوق: حق الإسلام وحق الجوار وحق القرابة.. ومنهم له حقان حق الإسلام وحق الجوار.. ومنهم من به حق واحد: الكافر له حق الجوار..

وقال رسول الله ﷺ: احسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا..

وقد أوصى الامام علي الحسن والحسين بالجيران اذ قال لهم الله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم مازال يوصي بهم حتى ظننا انه سيورثهم..

وقال الامام الصادق ملعون ملعون من اذى جاره..

وقال : ليس منا من لم يحسن مجاورة من جاوره..

وفي الكافي عن الصادق عن ابيه قال: قرأت في كتاب علي ان رسول الله ﷺ كتب بين المهاجرين والانصار من لحق بهم من أهل يثرب ان الجار كالنفس غير مضار ولا اثم..

«وحسن الجوار يعمر الديار وينسيء في الاعمار»..

وفي وصية للأمام علي حول أين يسكن الإنسان وأي المساكن أفضل.. قال واسكن الأمصار العظام فانها جماع المسلمين وأحذر منازل الغفلة والجفاء وقلة الأعوان على طاعة الله..

والسؤال: ماذا يحقق مجتمعنا من تعزيز حق الجيرة والجوار..

1 - التعاضد والتكافل والتعاون بين أفراد المجتمع..

2 - تعزيز مفهوم الرقابة الناعمة الحامية للأخلاق والسلوك القويم..

3 - فرصة للقيام بمبادرات لسد الحاجات المعنوية والمادية..

4 - تحقيق مفهوم الأمن الاجتماعي..

وفي الختام: وفي ذكرى شهادة الامام علي تعالوا جميعا نقرر مع أنفسنا ان يعيش الامام علي فينا، وان يكون فينا بعض من علي ..

فعلي يقول: فلا يكن أفضل ما نلت في دنياك بلوغ لذة وشفاء غيظ ولمن إطفاء باطل واحياء حق..

كاتب وباحث سعودي «سيهات».