آخر تحديث: 14 / 12 / 2019م - 11:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

الفقراء وشارب علي (ع)

أبحر صبيٌّ مع والده في محيطٍ بسفينةٍ متداعية. فلما هزتها أمواجُ المحيطِ سقط شيءٌ من يد الصغيرِ في الماء، فقال لوالده: أرأيتَ كيف هاجَ البحرُ وارتفع عندما أسقطتُ الشيءَ فيه؟ قال له والده: بنيَّ، إن المحيطَ تبحر فيه السفنُ العظيمة كل يومٍ، ولم تزد فيه شيئاً، وتطلع عليه شموسُ الدنيا كل يومٍ ولم تنقص منه شيئاً! أنا ذاك الصبيُّ الصغير الذي أرادَ أن يُسقطَ شيئاً في بحرِ علي بن أبي طالب سوف أقصُّ عليك ماذا يقول الفقراءُ والعظماءُ في علي ، إذ كل ما يقوله العظماء يتداوله الناس ويسجله التاريخ، ولكن ليس كلما يقوله الفقراء والمحتاجون!

كلما زرتُ مرقدََ علي في النجف أستمع للأسماء التي يناديه بها الناسُ ويستنجدون به على همومهم، وأكثر ما يشدني نساءٌ من المعدان، وهو الاسم الذي يعرف به في اللهجة العراقية عربُ الأهوار من جنوب العراق. تنحدر المرأةُ السمراءُ التي لوحتها شموسُ السنين ملتفعةً بالسوادِ الذي يحيط بجسدها كما تحيط التجاعيد بنظارةِ وجهها ويديها الموشمتين بخطوطٍ محفورةٍ باللونِ الأخضر تنتظر الحياة متى تستكين! تمسك المرأةُ عضادةَ بابِ الحرم من الخارج، تستأذن الدخولَ على الرجلِ الكبير علي وتقول: ”وحق شواربك يا علي“ وتتمتم بكلماتٍ قبلَ الانحدارِ نحو قبره كأنها تساره في حاجتها كما تسار رجلاً عرفته واعتمدته وامتحنته في الصعاب منذ طفولتها!

رأى الحكماءُ في عليٍّ الحكمةَ، والمتدينونَ فيه الدين، والأبطالُ فيه الشجاعة، والكرماءُ فيه الكرم، والخطباءُ فيه الفصاحة، ولكن الضعفاء رأوه كله لهم ولم يجدوا سوى كلماتٍ بسيطةٍ يخاطبونهُ بها كما يخاطبون والدهم أو زوجهم أو ولدهم ويحلفون عليه برمزِ الرجولة عندهم ”الشارب“، وهو من علاماتِ الرجولة التي يضرب بها المثل منذ الأزل دالاّ على الرجولة، ودالاً على الجمال، فإذا انتفض الرجلُ وأمسك بشاربه وقطعَ وعداً فإنّه لن يخل بوعده وإذا أخلّ بوعده لحقه العار. هكذا علي ما قطع وعداً لفقيرٍ ثم أخلفه!

قليلٌ من الناس اتفقت الإنسانية على تقاسمهم وعلي كان في طليعتهم، ادعاه كل الناس أنه كله لهم فكان: فيا أيها الرمز، ما ضر سهم البغي لو صَرَدَ ولم يصبك؟ ولكنه أرداكَ صريعاً وأردانَا معك!

لا تَقُل شيعةٌ هواةُ علٍّي
إنَّ كلَّ منصفٍ شيعيا
هُوَ فخرُ التاريخِ لا فخرَ شعبٍ
يَصطَفِيهِ ويَدعِيهِ وَلِيَّا
جَلجَلَ الحقُ في المسيحي حتى
صَارَ مِن فَرطِ حُبِهِ عَلَويّا
أنا مَن يَعشقُ البطولةَ والإلهامَ
والعدلَ والخلقَ الرَضِيّا
فإذا لم يكن عَليٌّ نَبيّاً
فَلَقَد كانَ خُلُقَهُ نَبوّياَ

بولس سلامة

مستشار أعلى هندسة بترول