آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 10:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

يا ليالي الوصل عودي

حضرَ نافخُ الناي وناقرُ الدفِّ وضاربُ العود، فقلت لهم: اصطفوا وانشدوني يا ليالي الوصل عودي، نغمٌ إذا أنشدتموهُ أخضرَّ ما جفَّ من عودي، إن جادلتني في حبها يا دهرُ شكوتك للإلهِ وجاءَ ما ابيضَّ من شعري شهودي.

نحنُ المسلمين، أينما نكون، في أوقاتٍ من السنةِ وساعاتٍ في الأيام نعشق الضجيجَ وكأنه زقزقةُ زرازير وحفيف أجنحةِ طيور الربيع. واحدٌ منها في الحجِّ عندما يطوف الطائفونَ ويقفون ضاجينَ لربهم رجاءَ أن تُمحى ما كسبوا من خطايا أو يُزاد من درجاتهم في الآخرة. وفي الساعاتِ التي تجمعهم الجوامع حينما تهرب أرواحهم متعاليةً من كللِ الحياة المادية إلى بهجةِ القرب من الله.  في كل ثقافاتِ ودياناتِ العالم ساعاتٌ من البهجة والضجيج الممتع، لكنه في ثقافةِ وديانةِ المسلمين يمتد مسافاتٍ زمنيةٍ أطول من غيرها وأكثرَ اتساعاً من بينها جميعا.

ثم في شهرِ رمضان، بُعيد غروب شمس كل يوم، عندما يجتمعونَ بعد جوعِ وعطشِ يومٍ طويل حول الخوان، ويجتمع الصبيةُ والصبايا. لا يهم ماذا يقولون وما يسمعون، وكل ما يهم أنهم كلهم موجودونَ حولَ مائدة الإفطار، التي ربما لولا شهر رمضان ما اجتمعوا يوماً في السنةِ في زحمةِ الحياةِ ومتطلباتها. عندما يجتمعون تسمع أصوات الأطفالِ مثل ضجيجِ نغمةِ النايات التي تبث ترانيمَ وصلواتِ السعادةِ والراحة، ويرتد صدى ضجيجُ أصواتهم صوراً من الودادِ والألفة تخلد في ذاكرتهم حتى ساعةَ دفنهم.

أيامٌ قليلةٌ بعدما ينتهي شهرُ رمضان نعود إلى سجايانا وطباعنا في حبِّ الهدوء، ويعود الضجيجُ إلى كونه موجاتٍ صوتية تصم الآذان لكن في قرارة أنفسنا نتمنى أن يعودَ شهرُ رمضان ويعود معه كلُّ الضجيج، بل نتمنى أن يكون الضجيجُ هو القاعدة في الحياة والهدوء هو الإستثناء، وأن كل الشهورِ هي شهر رمضان. سواءً أكان الزمانُ بُعداً ثابتاً أم متغيراً حسب كتلة الأجسام وسرعتها في الكون لن يتغير إحساسنا بأن طولَ شهر رمضان لم يكن إلا في مثلِ ساعةٍ أو يوم.

يوجد في بعضِ الساعاتِ والأيام شيءٌ للأبدان وشيءٌ للأرواح وشهر رمضان فيه كل شيء. يأتي ويذهب وفيما بين الجيئةِ والذهاب تخف أجسادنا، وتسمو أرواحنا وتغني يا ليالي الوصل عودي، فكل الرجاء أن يعودَ ويعود معه ما ذهبَ من العوافي والآمال وكل يأس وقنوط قد صارَ إلى زوال. يأتي يومٌ تتكامل فيه الحياةُ وتتسامى حتى تختفي كلُّ آلام البشر، وحتى تأتي تلك اللحظة ليس للبشرِ بين الخطايا التي ارتكبوها إلا أن يفرحوا بكل فرصةِ راحةٍ تهديها لهم الأيام ويستمتعوا بها.

نسائمُ الرحمات لكل من أنزله القَدَر من قطارِ رحلةِ الدنيا واستراحَ من كل ضجيج، وخالص الأمنيات أن يصلَ الباقون مسافاتٍ طويلة مليئة بمناظرِ البهجةِ والراحة ويعود الضجيجُ يصم أسماعهم مرةً أخرى.

مستشار أعلى هندسة بترول