آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 2:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

طرائد الأحلام

غابت الكهرباءُ دقائقَ صباحَ اليوم، التاسع من حزيران، فعدنا أنا والصغار إلى سجايا الإنسانِ الذي يتحدث ويخاطب الإنسانَ الذي يجالسه. وفي حشريتي سألتُ اثنين منهما عما يريدانِ أن يصبحا عندما يكبران. كنت أتوقع أن صِبيةً في الثانيةَ عشر والتاسعةَ من العمرِ لن يحملا أيَّ أماني للمستقبل، وسوف تبقى متعتهمَا في الحياةِ تحريك أصابعهما حولَ الشاشةِ الصغيرة حتى يبيضَ شعرهما ويموتا!

كانت لدى الكبير رغبة أن يكون عالمَ قاذفاتٍ تحمل الإنسانَ نحو الفضاء والعالم من فوقنا، وكيف يمهد لعهدٍ جديدٍ من وصولِ البشرِ إلى عوالمَ لم يروها من قبل. لم يغفل في شرحِ أمنيته أن يذكرَ ما عليه أن يتعلمَ من فيزياء وكيمياء المواد، والحساب، وكل ما له علاقة بأمانيه الكبيرة في جسدهِ الصغير الذي لا يتعدى الواحد وأربعين كيلوغرام. ماذا لو فعلاً صار للصغيرِ ما تمنى؟ ليس من العجبِ أن يحدث! إذ في سيرِ الرجالِ العظماء تبرز علاماتُ وملامحُ نهايةِ الطريق وقمم الجبال عندهم أوضح مما عند غيرهم من الناسِ الذين مروا في الحياةِ دون ترك بصماتٍ لهم.

لم يتمن الأصغر شيئاً بعيداً عن واقع الحياة، وربما ”من شابه أباه فما ظلم“، فأراد أن يملكَ مصرفاً وتكون عنده أطنان من المالِ والذهبْ. قال: إنه سوف يستثمر كل يومٍ ريالاً، والريال يجر العشرةَ ريالات، والمليون يجر ما علاه من الأعداد. ربما هذا الصغير لن يحصلَ على المصرف الذي يحلم به، لكن كم من حالمٍ رأى رؤياه بعد اليقظة!

الله! كم هي غريبةٌ الأماني. تكون كبيرةً عندما نكون صغاراً، لكنها تذبل وتموت عندما نكون كباراً. ولا يتأتى منها إلا مثل صيد الأسد، ليس أكثر من خمس وعشرون طريدة من كل مائة. كل العزاء في أن ما يصطاده الحالمون من طرائدِ الأحلام يكون أكبر بكثيرٍ من طرائدِ الأسود.

ساعدوا الأجيالَ في أبناءكم على أن يحلموا، فليست إبداعات البشر إلا أحلام! حلم الإنسانُ أن يطير وطار، وحلم أن يرى البعيد فرآه، وهكذا كلما طرق باباً للعلم قال له خالقه: واصل الطرقَ سوف أفتحه لك. في أعماق بحر كل إنسان أماني كثيرة مدفونة تحت طين القاع، لابد له من الغوص للكشف عنها إن استطاع ولو تطلب ركلةً في مؤخرته لكي يحقق ما يريد.

سألتهما ماذا لو خابت الأحلامُ ولم يكن منها سوى الذكريات؟ قالا: إذاً سنكون أناساً عاديين! ربما لا هذا ولا ذاك فبين القممِ العالية هناك هضاب وقمم أقل علواً من القمةِ وأعلى من سفح الجبل.

مستشار أعلى هندسة بترول