آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 11:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

ألف باء الود والخصام

حِكمٌ نسمعها ونحفظها قبل العشرين، لكن لا يبان لنا صحتها إلا عندما نبلغُ من العمر عتياً، ويشيب فودنا. حِكمٌ لو فعلناها صغاراً لربما ربحنا كثيراً من معاركِ الحياةِ وخرجنا بخسائرَ أقلَّ فيما بقي من أعمارنا.

في استراتيجياتِ الحرب الأساسية أربعُ كلمات ”لا تحرق كل الجسور“، وهي في بساطتها تقول أنه لا بد لنا في المعاركِ من ترك مخارجَ وطرقاً للعودةِ في قراراتنا وأفعالنا وألا تكونَ فقط في اتجاهٍ واحد، والأهم بما أن معاركنا هي في الغالبِ علاقتنا مع غيرنا ألاَّ نقطع كل حبلٍ وكلَّ شعرة. وإذا قطعنا كل جسورِ العودةِ في العلاقات لن يبقى إلا خوض المعارك، وليس كل نتائجِ حروبِ العلاقاتِ البشرية مضمونٌ فيها الفوز. ليس فقط في الحربِ والبغض لا نقطع جسور العودة، بل قد نحتاج لجسورٍ أقوى في علاقاتِ الود والمحبة، التي في الغالب هي معارك مع من نحب ونهوى، وفي خوضها وخسارتها يتضاعف ألمُ الخسارةِ من خسارةِ المعركة إلى خسارةِ المعركةِ والود معاً.

بعد طول عمرٍ وتجارب طويلة ندرك أننا في كل العلاقات نحتاج إلى الهروبِ من بعضها والعودة للآخر، وليس ينفعنا عند الهروب أو العودة إلا ما نبقيه من جسورِ التواصل. وربما كان من الأجدى ترك جسورٍ عدة أو جسرٍ قوي يحمل كل آلامِ الودِّ والخصام ولا ينكسر تحت ثقل الماضي منها. نقطع الودَّ ونظن أننا لا نلتقي، لكن الله! كم أصبح العالمُ صغيراً، فلا بد للمتخاصمينَ أن يلتقوا ومن يريد أن يجمع كثيراً من العدى حوله؟ نحتاجُ الناسَ والأصدقاء من حولنا، في البيتِ والعمل والطريق، ولا بأس إن كانت لنا معرفة بذلك البائع الصغير في زاوية الشارع، من يدري من يصبح أحدهم في المستقبل! من حياتي في المدرسة والعمل عملت مع أناسٍ رأيتهم صاروا إلى مناصبَ لم يكونوا ولم أكن أتوقعها حينما كنا أصدقاء عاديين.

ليس بعيداً أن تصح النظرية أن طولَ أعمار البشر يأتي من صغار علاقات الود التي تجتمع مثل قطراتِ الندى وتصب في نهرٍ كبيرٍ من المحبة، يجلب الراحة والطمأنينة لهم. من الأكيد أننا لو عشنا مائة عامٍ لن نجعل كل الناس من حولنا راضينَ عن معتقداتنا وأفعالنا، ولكننا نستطيع أن نجعل منهم كلهم أعداء، حتى أقرب الناس، في دقائقَ معدودات. ولأننا فقط نستطيع، يجب علينا ألاَّ نفعل...

مستشار أعلى هندسة بترول