آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 11:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

ما يشبهُ الأحلام

يوم كنتُ صغيراً قال لي أصحابي الصغار لا تعدَّ ما في جيبكَ فتذهب البركةُ عنه وينقص. أنا بالطبعِ لم يكن عندي شكٌّ في صدقِ أصدقائي فلم أعدَّ ما في جيبي، ولكن منذ أبصرت عيناي النور بدأت أمي تحسب عمري حتى أكبر، ثم عندما كبرتُ صرت أعد السنين، عشراً ثم عشرين، ثم ثلاثين، حتى وصلتُ إلى هنا! وبعدما وصلتُ هنا مللتُ من العد. إما أن أكونَ مثل حكم الخط في الألعاب، يشاهد اللاعبينَ يلعبونَ وهو يضبط الساعةَ لا غير، أو أكونَ اللاعبَ الذي يعرف ماذا عليه أن ينجزَ في الوقتِ المحسوم لكي يفوزَ في السباقِ دون أن يهتم كم من الوقت بقي.

لا أنا ولا أنتم نعرف خطط القَدَر، فلربما في معادلاتهِ أن يعافيَ المهزولَ ويذبحَ السمين. إذاً، لا يهم طول الطريقِ الذي نحن مجبرونَ على السيرِ فيها، بل ما يهم هو ماذا نرى من المناظرِ وماذا نراكم من الأفعالِ والإنجازاتِ في كلِّ شبرٍ نمشيهِ في الطريق. سوف يأتي يومٌ جديدٌ ونكبر شيئاً فشيئاً أحببنا أم كرهنا، فلِمَ نعد الأيامَ والسنين؟ ونشغل فكرنا بما ليس في مقدورنا فعله. إن العبرةَ فيما تنتهي إليه الأمور، فإذا كان هناك عداءٌ يلهث متأخراً قبل خطِّ النهاية لكنه قاومَ التعبَ في الأمتارِ الأخيرة فهو من فاز ويفرح بالفوز، ولو عاش إنسانٌ طولَ عمرهِ في نعيمٍ لكنه افتقرَ ?خرَ يومٍ في حياته فلربما أنساهُ شقاءُ يومٍ واحدٍ نعيمَ الأيامِ كلها ولم يذكر سوى يومٍ واحد!

ليس فقط كأفرادٍ بل كمجتمعاتٍ وحضاراتٍ لا يجب أن يقلقنا الزمنُ الذي قد يكون رفيقنا في الطريق، ولو نظرنا كيف تتغير مؤشراتُ التقدم والتقهقر بين الأممِ دون مراعاةِ الزمنِ والتاريخ فلا عجبَ أن يسبقَ المتأخرُ من أتى قبله. ما يجب أن يقلقنا هو كيف نراكم الخطواتِ ونقطع المسافاتِ في وحدةِ الزمن، فلو أردنا حسابَ المسافةِ فهي ليست إلا حاصلَ ضربِ السرعةِ في الزمن. وهذا يعني أن بمقدور الأفراد والشعوب أن يتحكموا في المسافة بتغيير سرعةِ المشي نحو الهدف، سواءً قصر الزمنُ أو طال!

نحنُ الكبار الذين نعلم صغارنا أقصوصةَ السلحفاةِ التي استهزأَ بها أرنبٌ مغرورٌ ونامَ في السباق بينما هي واصلت المشيَ وفازت، يجب ألا نثقَ في الغدِ ونحشر في أيامنا الباقيةَ ما نستطيع من المكارم، ونحسب كل يومٍ نستيقظ فيه هو اليقظة الأخيرة، وكل حلمٍ هو آخر الأحلام. ليس مهماً كم مضى فالباقي يكفي إن مشينا، فعندما تثقل الخطوات تصبح كل خطوةٍ أصعبَ وأجمل وعندما تندر الأحلام يصبح كل حلمٍ أشد قرباً من اليقظة...

مستشار أعلى هندسة بترول