آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 12:31 م  بتوقيت مكة المكرمة

فنجان قهوة / 2

يصنع القدرُ بيننا فروقات لن نستطيعَ أن نغيرها مهما فعلنا، وفروقاتٌ بإمكاننا أن نصنعها ولكن لن تعجبنا كلفةُ التغيير، والباقي هي لنا نصنع منها ما نشاء. في إنشاءِ هذه الفروقات يجب علينا أن نتذكر أنَّ المالَ ليس وحده ما يصنع منا عمالقةً أو بشراً، لكن القيم هي من تصنع الفروقات الحقيقية، وهي أيضاً من يجلب المالَ ومن تصنع الأحداث، وتضفي علينا شيئاً من السعادةِ وتَبقى شواهدَ تُكتب على قبورنا بعد الرحيل. نحنُ لن نغيرَ العالم لكن يجب علينا ونستطيع أن نغير بعضاً من عالمنا!

قال الفلاسفةُ والعارفون في الفوارقِ بين الإنسانِ والحيوان الكثير، لكن الفارقَ الكبير في رأيي يكمن في أن الإنسانَ مخلوقٌ أعطاه اللهُ أدوات القدرة والإستعداد لتفعيل الأدوات التي تضعه في مرتبةٍ متقدمة، وأنه بمقدار ما يُعمل من أدواتٍ يملكها يستطيع أن يعمقَ الفارقَ بينه وبين المخلوقاتِ الأخرى ويرتقي عليها، وبمقدارِ ما يهمل ويسيء استخدامَ تلك الأدوات يتقدمه ويرتقي عليه كثيرٌ من المخلوقات. وأنَّ الإنسانَ هو المتفرد بين المخلوقات بمعرفةِ الوقت في تقسيماته من ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل، وأن كل ذلك الوقت ينتهي وينفد وعلى الإنسان أن يراكمَ إنجازاته في القطعةِ المعطاةُ له من الوقت. وبينما يملك الإنسان هذه الفوارق الإعجازية التي احتار العلماءُ في حصرها، هو يمحوها عندما يقتل رقابته الذاتية ولا يستطيع أن ينظمَ حركته دونَ وجود سلطةٍ خارجية.

عندما ولدت ابنتي البكر في الثمانينات كنت آخذها في زيارةٍ للطبيبةِ المختصة كل فترة وأراها تقيس طولها ووزنها وعوارضَ الصحةِ والمرض. وعندما تنتهي من تلك القياسات ترسمها في خطوطٍ بيانية تبين الفوارق بينها وبين أقرانها في العمر. كانت الطبيبةُ تقول ”لا بأس“ عندما تكون الأرقامُ متقاربةً وتطلب مزيداً من الفحوصاتِ إن تباعدت الأرقام. هكذا يجب علينا أفراداً ومجتمعات وأمماً أن نضع لنا مقاييسَ نقيسُ بها طولَ القفزاتِ والفروقات التي ننطهَا في فضاءِ التقدم، وإلا صدمتنا النتائجُ والأرقام. لا يهم ما يملك الفرد أو المجتمع أو الأمة من ثرواتٍ إن لم تصنع بتلك الثروات الفارقَ الحقيقي بينها وبين غيرها من المجتمعاتِ والأمم.

إن أردنا صنع الفروقات في حياتنا في الطريق إلى الله أو في تصاريفِ الحياة فلن ينفعنا إلا القرار والتصميم والبدأ وإن كانت النتائجُ صغيرةً فهي سوف تكبر وتتكامل في الزمن. أنا وأنتَ غداً نتلمس الطريقَ نحو بعضِ الفوارق التي تعمق المسافة بيننا وبين المخلوقات الأخرى في حضورها، وتقصر المسافةَ في غيابها. إن كنت ممن يعتقد أنك المخلوق الأسمى، طوبى لك ولن تحتاجَ أن تضيع وقتكَ في المشي معنا، وإن أحببتَ أن تمشي معنا فسوف يكون في الرحلةِ بعض الجد والطرافة التي تعاكس حرارةَ الصيف لكي لا نمل من الطريق.

مستشار أعلى هندسة بترول