آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 2:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

من خلف السُتَر

يظهر لنا شهرُ تموز الحرارةَ القاسية ولكنه يخفي في باطنهِ الخصبَ ونضج الثمار، حتى كأنه أكرم الشهور التي تطيب فيه الثمار بكل ألوانها ومذاقها، فلا عجبَ من كثرةِ الأساطير حول شهر تموز  في أنه شهر الخصب والنضج! كم تمنينا أن يعم نفاقُ شهر تموز كل الأشهر فتخفي لنا ما هو أجمل مما تظهر.

كان البروفيسور ”دوجلاس“ في صيفِ عام 1983م يدرسنا مادةَ المجتمع وذات يومٍ أعطانا أسئلةً استبيانية واحدٌ منها جاء كالتالي: أذا استطعتَ التسللَ إلى دارِ العرضِ السينمائي دون أن يراكَ البوابُ ولا تدفع قيمةَ التذكرة فهل تفعل؟ لم يطلب منا ”دوجلاس“ تدوين أسماءنا على ورقةِ الإستبيان وكان جوابي بكلِّ تأكيدٍ: نعم أفعل!

مربطُ الفرس هو غياب الرقابة الذاتية التي تجيز المحظورات وتعبر كل القاراتِ وينخرط فيها أربابُ كل الأديان. لن يكون هناك فردٌ غير الأنبياء لديه كمالٌ ذاتي ولكن هناك من يرتقي فوقَ الآخرين درجات، وإذا وجدت فرداً أو مجتمعاً أو أمةً مؤشر الأمانةِ فيها عالٍ فهي لابدَّ أن ترتقي مهما كان دينها أو معتقدها. عندما يتحلى المجتمعُ  بمجموعةٍ من القيم تُغرس فيه منذ الصغر يحبُّ العاملُ وظيفته ويخلص لها ويحترم قوانينَ المؤسسة، ويحرص على نجاح أهدافها، ويشعر بأن نجاحَ المؤسسة في تحقيق مكاسبها هو نجاحٌ له. هذه الفلسفة في أمانة العامل تصنع نجاحاً منقطعَ النظيرِ للشركات، وفي مقابل وفاء العامل حينما تواجه الشركات أزماتٍ مالية فإنها لا تطرد العمال أو تقلص رواتبهم، بل تخلق وظائفَ جديدة وتحتفظ بالعمال. وبفضل هذا التكامل تصبح العلاقةُ بين الموظف والشركة علاقة عميقة تلامس الروحَ فكأنه ابنها وهي أمه!

مُثُلٌ عليا بعيدة عن واقعِ الإنسان في كل مكان؟ نعم، لكن هكذا يجب أن تكونَ العلاقة بين البائع والمشتري وبين من يقدم الخدمةَ ومن يتلقاها وبين المدرس والطالب وبين الطبيب والمريض، حتى تتشابك أفقياً وتجتمعَ في حزمةٍ واحدةٍ نحو علاقةٍ عمودية بين الأرضِ والسماء. وكلما تكاثرت تلك العلاقات الأمينة كانت شبكةَ الأمان التي تمنع المجتمع وتحميه من السقوط. ليست قيمة الإنسان فيما يظهره من أفعالٍ عندما يراه الناس، بل فيما يضمره ويخفيه، حتى إذا ما سنحت له الفرصةُ أحالَ تلك النوايا فوارقَ ومسافاتٍ بينه وبين الآخرين يتسامى بها فوق الآخرين أو يتسافل بها دونهم.

إذا أردتَ أن تعرف حقائقَ الناس فلن تعرفها في المساجد ودور العبادة، لكنك سوف تعرفها في الأسواقِ، فإذا اضطررت أن تقلبَ البضاعة لتتأكدَ من جودتها، أو أخذتها للمنزلِ وبان الغشُّ فيها، فليس العيبُ في البضاعةِ بل فيمن باعها! إنَّ الأمانة مثل السفينة التائهة في البحر وإن كسرتها الرياح لا بدّ أن تعودَ أخشابها لترسو فوق شاطئٍ ما، فإن رست في شواطئنا فالخير فينا.

مستشار أعلى هندسة بترول