آخر تحديث: 12 / 11 / 2019م - 1:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

آخر أيامِ الروزنامة

يحضر في آخرِ أيامِ روزنامة البشر المشكوُّ والشاكي إلى محكمةِ طباعِ الإنسان ويحضر فيها حصادُ الشوك والعنب! دوراتٌ كثيرة في الحياة، الشمس والقمر والأرض، بل الحياة كلها دورةٌ من لا شىء ثم شىء وبعده لا شيء، وفي فترة التسليم والاستلام من جيلٍ إلى جيل تهبط عزيمةٌ وتصعد أخرى، تضعف قوةٌ وتزداد أخرى، فماذا يريد الذي يشطب آخرَ الأيامِ يوماً بعد يومٍ في انتظارِ آخر يومٍ من حياته؟

الكثير لا يبحث عن الأكلِ أو الشربِ أو المسكن، لكنهم يبحثونَ عن العاطفة والمحبة والأمان. يخاف الطفلُ من الحياةِ وحيداً ويخاف الكبيرُ من الموتِ وحيداً، وكلاهما يبحث عن يدٍ يمسك بها وتعطيه الراحة. يدٌ تلمسه وتقول له شكراً يا أمي، أو شكراً يا أبي. يدٌ تمر به على عناقيدِ العنب التي زرعها في حياته ناعمةَ الملمس وحلوةَ المذاق.

رأيت أبوين يسأل أحدهما الآخر عما جنى حتى تركه أبناءهُ الثلاثة في ملجأ العجزة دون زيارةٍ أو سوآل، يستجلب العواطف من الناس! وبعدها قال: لو رأيتهم سوف أخبرهم أني أباهم لقد سامحتهم مثل ما سامحَ يوسفُ أبنائه حين عصوه. وقال الثاني الذي لم ير أثنينِ من أولاده سنينَ طويلة: لو عادوا لي قبلَ أن أموت عدتُ طفلاً ولعبتُ معهم. الله، كم في الحياة من عبر! لكن هل يصدمك السؤال عما جناه الشاكي؟ ربما الشاكي هو من زرعَ الريحَ وحصدَ العاصفة والأيام تسقيه من ذاتِ الكأسِ التي أذاقها غيره، وربما لا، هي طفرةُ الزمن وانحدار القيم!

ونحن شيوخٌ في آخرِ أيام الروزنامة حنت السنواتُ ظهورنا نحتاج من هو في أولها لكي لا يشعر بذنبِ التقتيرِ في العاطفةِ والرعاية وألا يضطر أن يحضرَ في جلساتِ محكمةِ الضمير أن يجدَ في نفسه الراحةَ أن يقلع الشوك الذي زرعناه ويسقي الكرومَ التي زرعناها فيه حتى يأتي يومٌ يرحل من يرحل بسلام ويبقى من يبقى دون خوفٍ من آخرِ يوم من أيام الروزنامة!

لو سألتني أن أضع تعريفاً وتقديراً لثرواتِ الأمم سوف يكون جوابي: ليست ثروات الأمم ما تملك تحت الأرض أو فوق الأرض من مليارات من المال، أو تقنياتٍ أو معالم حضارية، لكن ثروات الأمم هي أخلاقها التي تسري في عروقها وكم هو سعيدٌ أو شقيٌّ الإنسان فيها. سوف يطعمنا الله ويسقينا ما بقينا أحياءً، ولكنه أمرنا وشرط علينا أن نسقيَ ونطعم أشجارَ المحبة بيننا...

مستشار أعلى هندسة بترول