آخر تحديث: 19 / 8 / 2019م - 7:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحج في الماضي أذان ودموع في الفريچ

عباس سالم

لم تكن تأدية فريضة الحج في الماضي أمراً هيناً، بل كانت رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر والمهالك والتعب، وتتطلب مالاً وجهداً ووقتاً يبلغ أضعاف ما يبذله الحاج في زمننا الحاضر.

بينما أنا في غفوةٍ هادئة في ظهيرة يوم حار تحت ظل العريش، بعيداً عن حنين المكيفات حيث لا توجد كهرباء في القدم، أستيقظت على أصوات الأذان والصياح والعويل فخالجتني مشاعر الغبطة والسرور وأخذني النشاط والحيوية، فأنا بطبعي محب للبهجة والسرور وأكون سعيداً وأنا أسمع صوت الأذان والفرح يعم الناس في الفريچ، فركضت مسرعاً نحو الباب لأرى تلك الأهازيج إلا أنني لم أرَ شيئاً فقلت في نفسي ربما إن الناس في الجهة الأخرى من الطريق.

ذهبت خارج البيت متجهاً نحو الجهة الأخرى من الطريق وبدأ الصوت يزداد وضوحاً شيئاً فشيئاً، ورأيت جمعاً من الناس كأنهم في زفة عريس، لكن ليس من عاداتنا يزف العريس ظهراً، وبدأت أركز على كلمات الزافين ماذا يقولون، يا الله صوت الأذان يرتفع إنها زفة حجاج جيراننا في الفريج مغادرين إلى أداء فريضة الحج، يا لها من زفة فيها زادت فرحتي كيف لا وأنا أسمع الطقوس الدينية التي هي مصدر بهجة وفرح وحياة وأمل للناس.

بعد وداع الحجاج رجعت إلى البيت وجلست مع والدتي تحت ظلال «العريش» ليقينا حرارة الشمس، وكانت هي سعيدة بزفة الحجاج حيث أهاجت بداخلها ذكريات طفولتها عندما تسمع تلك الأهازيچ، وبدأت تروي لي قصصاً لبعض الناس من جيراننا في الحي عندما يغادرون إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج، يتركون منزلهم في عهدة الأهل والجيران، فالأصدقاء والجيران هم الأهل والأمان في ذلك الزمان.

وعورة الطريق وبعد المسافة كانت عوائق مقلقة أمام من أراد تأدية فريضة الحج في الزمن القديم، إلا أن تقدم وسائل النقل التي بدأت تأخذ تطورها وخاصة السيارات ومنها الثقيلة وذات الحمولة الكبيرة التي تتخذ لعدة اشخاص، وتسمى سيارات «الكشف» أي المفتوحة، قبل أن تتطور ويفرح الحجاج بوصول الباصات الكبيرة، والتي لايملكها إلا قليل من الأفراد، ويمكن وقتها التجار فقط وبعض الحملات أصحاب الدخل العالي، ولكن كانت بداية تطور وفرحة للحجاج الذين يرغبون بالسفر إلى مكة لأداء فريضة الحج بكل يسر وأمان.

يقطع الحجاج في القدم مسافات طويلة لذلك فإن الصحة العامة للحاج كانت شرطا من شروط السفر لتحمل مشقة الحج في القدم، وذلك لتجاوز عناء الرحلة الطويلة التي كان يقضيها الحجاج الأوائل بين حر الشمس وبرد الليل القارس، عدا التعرض لمخاطر صحية قد تؤدي إلى وفاة البعض منهم لعدم وجود كوادر طبية مرافقة للحملة لخدمة الحجاج، وكذلك صعوبة قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفى.

لم تكن مكة المكرمة تزخر بالمطاعم في الماضي، مما جعل صاحب الحملة يلتزم بوجود طباخين يرافقون الحجاج في رحلتهم إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، والاعتماد عليهم في خدمة الحجاج، فيقمون بإشعال الحطب ويتعانون على تجهيز طعامهم في مكان سكنهم وفي يوم عرفة ووقت إقامتهم بمنى، ولم يكن هناك مجمعات سكنية ولا محلات تجارية سوى بعض الأسواق التي كانت وقتها تلبي مطالب الحجاج لتواضعها وقربها من المشاعر.

حملات الحج المعروفة التي كانت موجودة في جزيرة تاروت هي: حملة المسيري وصاحبها «ملا محمد المسيري - أبو جعفر» حملة المعتوق وصاحبها «علي بن الحاج سلمان المعتوق رحمه الله - أبو محمد» وحملة العقيلي وصاحبها «ملا محمد العقيلي رحمه الله - أبو ابراهيم» ومن أشهر الطباخين يرحمهم الله في جزيرة تاروت المرافقين لحملات الحج هم: الحاج محمد أبو زيد «أبو حسين» وأخيه الحاج حسن أبو زيد «أبو مهدي»، الحاج عبدالحسين بن درويش «أبو عبدالرسول»،، والحاج معتوق النابود «أبو عبدالرزاق»، والحاج عباس هبوب «أبو فاضل»، والحاج حسن الحريري «أبو علي».

في تلك الحقبة الزمنية كانت وسائل الاتصال بين الحجاج صعبة، وبين الحجاج وذويهم في المدن والقرى التي غادروها معدومة، ولم يكن هناك إعلام وذلك بسبب قلة الإعلاميين والمراسلين عدا الإذاعة في مكة المكرمة فقط، والحياة كانت بسيطة وقتها، وكذلك بعض الصحف التي بدأت في أوائل الثمانينات تنتشر داخل المشاعر المقدسة، فكانت صوت البلاد وأم القرى من الجرائد التي كانت تُطبع في ذلك الوقت وليست مكتملة بالأخبار وقتها بل تقتصر على بعض الأحداث والأخبار الهامة.

يهتم الحجاج بعد إتمام مناسك الحج بشراء الهدايا لمحبيهم من الأهل والأصدقاء، وللصغار نصيب منها، والهدايا المعروضة للشراء في ذلك الزمن كانت محدودة فلا مجال للاختيار كما هو اليوم، كم هي جميلة ذكريات أيام الطفولة والصبا كنا نفرح فرحاً شديداً في الفريچ إذا قدم الحاج من المشاعر المقدسة إلى بيته، فتجده محملاً بالهديا الجميلة وتنحصر تلك الهدايا في: قوالب السكر «القناطي» والبيدان والفستق والمزامير «الصواية» والأقمشة والسجاد وغيرها من الهدايا القيمة، وكان الحاج يستقبل جميع من في القرية ابتهاجاً بعودته وحمداً على سلامته وتهنئته بأداء الحج.

وفي الختام آه آه كم تمنيت لو يعود بي الزمان إلى مرابع الطفولة والصبا، وأطل من نافذتي لأرى الحجاج من الأحبة والأهل والأصدقاء في الفريچ الذين غادرونا من هذه الحياة، وهم يزفون بأهازيچ الفرح بين دموع وعويل لرحلة الحج الأكبر لمن استطاع إليه سبيلا.