آخر تحديث: 19 / 8 / 2019م - 7:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

عيش الأكذوبة

ياسين آل خليل

عندما تتحدث لزميل عمل أو صديق أو قريب، عن أنك في حاجة ماسة لأن تكسر روتين حياتك وتأخذ اسبوعين لنفسك، بعيدًا عن كل ماكنت تفعله لسنين، فإن عقول الجميع تأخذهم الى السفر.

تبدأ الإستفسارات والإقتراحات تنهال عليك من كل حدب وصوب. إلى أين أنت ذاهب؟ إذا لم تكن قد حددت وجهة سفرك بعد، فأقترح عليك أن تزور تايوان إذا كنت ممن يهوون الجبال، أو ماليزيا إذا كانت طبيعة الكهوف تشدك وتستهويك، أو أندونيسيا إذا ما أردت أن تجد نفسك بين الغابات والأدغال والشلالات والبحيرات وتنوع النباتات والبيئة العذرية التي لم تعبث بها يد الإنسان بعد.

ترجع إلى نفسك وتسألها، هب أني زرت كل تلك الأماكن، في نهاية المطاف، سأرجع إلى روتين حياتي وما اعتدت عليه. جميع الأماكن التي سافرت إليها، ومختلف الأطعمة التي تناولتها، والأشياء التي اقتنيتها، ستصبح جزءًا من الماضي. أشهرٌ معدودات أخرى، وتتبخر الذكريات واللحظات الجميلة، وتصبح كل تلك السفرات نسيًا منسيا.

قد يقول أحدهم، الواقع المعاش ليس قاتم الى تلك الدرجة،. لكن بربك أليس هذا هو واقع الحال! كلٌ منا في هذه الحياة يخوض تجربته الخاصة به، ويرسم انطباعاته في ضوء تجربته التي عاشها بتفاصيلها. أنا شخصيا أقول عن تجربة، أن هناك أشياء في الحياة أكبر بكثير من أن يسافر الإنسان من بلد الى آخر، ودون أن يقتنص تلك الفرصة من زياراته لمختلف البلدان، ليتعلم كيف يخلق لنفسه جوًا مريحا في بلده الأم، يغنيه عن التنقل بين الفينة والأخرى لينفق فيها ما جمعه في سنين ويصرفه في سفر لأيام معدودات، ودون أن يضمن راحته.

تعلم شيئًا عن البستنة واخلق من حديقة منزلك، أو قطعة الأرض التي تملكها، جنتك في الدنيا. اجعل مكان الراحة هذا منتجعًا تقضي فيها أوقات فراغك لتسترخي وتفرغ طاقتك السلبية، ومنه تشحن نفسك بكل ما هو طبيعي وإيجابي. حدد لنفسك زاوية تركن إليها لتتأمل، بينما أنت تستمتع بتفاصيل كل شيئ من حولك، من خرير الماء الى زقزقة العصافير، الى حفيف الشجر وكل ما يستهويك في كل لحظة من اللحظات الجميلة والتي لك موعد معها متى ما خطر لك ذلك.

معظم البشر يحكمون على الناس من خلال الملابس التي يرتدونها، والوظائف التي يشغلونها، والمنازل التي يمتلكونها والسيارات التي يقودونها. لكن ألا ترى أن كل تلك الأشياء هي في الواقع مؤقتة في طبيعتها؟

الرغبات عند الناس هي في تزايد وتنافسية لا حدود لها. صاحب المنزل الجميل ينظر إلى من يمتلك قصرا أوسع وأفخم وأكثر قيمة، ومن يمتلك سيارة متوسطة القيمة ينظر إلى ما يقتنيه آخر من سيارات عدة غالية الثمن وفاخرة الطراز. هذا سباق خاسر لا يدخله عاقل، لأنه بكل بساطة يأخذك الى عيش الأكذوبة والذي لا ينتهي بالرضا والسعادة قصر ديمومته.

علينا كأفراد أن نسعى في حياتنا إلى الأشياء ذات الطبيعة الدائمة والمعارف التي تأتينا من قراءاتنا الهادفة، المتعددة المصادر، والتي تمدنا بالصبر وخبرات الآخرين الحياتية. الارتباط بالطبيعة، هو الآخر، له تأثير مباشر على تخفيض التوتر لدينا والشعور بالسعادة والطمأنينة. نجاحنا في تحقيق هذه الاستدارة الهامة من التغيير، يمكننا القول بأننا قد حققنا الكثير على صعيد التوجه نحو نمط العيش الواقعي.

الإرتباط بالطبيعة كما هو محفز للسعادة، فإنه يساهم أيضا في المحافظة على الصحة العامة والتقليل من موت الفجأة والموت المبكر. ما لا يدركه الكثير من الناس، أن العيش بالقرب من الطبيعة العذرية أو في المدن الصديقة للبيئة يحسّن الصحة العقلية ويرتقي بالحالة النفسية والترفيهية ويشعر الفرد بالرضا، والوعي بأن هناك فعلا ما يستحق أن يعاش من أجله، بعيدًا عن عيش الأكذوبة.