آخر تحديث: 19 / 8 / 2019م - 7:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

إلى أبي في رحيل أمّه.. «العودة»

علي عاشور *

تتوارى الأعمار وتبهتُ أجسادنا، لكنها رغم ذلك تبقى عالقةً في الذاكرة، كمشاهد سينمائية صامتة، أو كعزف مفرد لرائحة الأماكن، والأحضان. يبقى من الراحلين كلّ شي إلّا هم. يطرزّون بمشكاة حنيننا إليهم قلوباً تضاف إلى قلوبنا، المتعددة، بهشاشتها وضمورها وذوبانها عند لهيب الحاجة وبرد العنفوان. هكذا، تأخذنا الريحُ كحبّات ضيمٍ من حجرِ الوحشة. يطّلُّ علينا القمر من عين البئر، وسكون النهر. يطّلُ عليك ظلّ أختك وأبيك وأخيك ووالدتك. هكذا كشفت سرك أتذكرك منذ صغري، فأنت لا تدري بأني أمتلك ذاكرة قوية، وأحيانا صوريّة، خصوصاً للمواقف العاطفية، سواء كانت هذه المواقف تتعلق بي بشكل مباشر أو لا.

أتذكر ما أضعفك وما كسرك وما زادك عناداً وكبرياء. وأعرف، ماتخفيه، أنت ووالدتي، وما لا تخفيانه، كجاسوسٍ محترفٍ في طفولته كلما سمعتُ صوتكَ انزلقت أذنيّ عند بابكما. هكذا اكتشفت سرّك، سرّك الذي يطير من عينيك كل يوم، عصفورٌ، يرفع نظارتك، يتثاءب، يهزُّ رأسه ويمسحه برموشك قبل أن يطير ويعلن ما يسكنك كل يوم. أنت تخاف الفقد! ينهشك خوفك، ولأنّك تخافهُ، تستعجل انفعالاتك كي لا نراه. ولا تدري، أنّك أورثتني قدرة الرؤية، وخوف الفقدِ، ونظارةً ألبسها لأحبس عصفوري الخاص! حيث الفقد لم يولد منذ توقّفت رئتا عمتّي، سقوط جدي وانكسار حوضه، نهش السرطان أعضاء عمّي، واستلقاء جدّتي على سريرها قبل إغماض عينيها.

كنتَ تعودُ ذلك الولدُ الذي تعود اللعب في بحر «سنابس»، والركض ما بين نخيل مزرعة البيت القديم، ب «النبّالة» و«التيل» والعصيّ. تريد أن تبقى هناك، حيث كان أبوك وأختك وأخوك ووالدتك، حيث لم يكن الفقدُ قد وُلد، وفضاء الضحكات عند أشجار الليمون والتوت والرمّان. لم أكن هناك ولكنّي رأيت.. وما يرى الأبناءُ يبقى معلّقاً على عنق عصافيرهم، عصافير مخاوفهم الخاصّة! لم تقل ولكنّي سمعت.. وما يسمع الأبناء ينحدرُ من سهول الأمنيات إلى هاويات اللمس.

أتذكرك. أتذكر سقوطك خالياً من دمٍ نظيف وبقرحة دامية، أتذكر ثائراً في ملاعب الكرة، أتذكرك تعمل من صباحٍ إلى صباحٍ آخر، أتذكرك باختناق ارتفاع فواتير البيت، وتهاوي مشاريع عمرك، مشاريع بيتك الحلم، وبيت أبناء أبنائك.

أتذكرك وحيداً ونحن داخلك، كنت أراك، وحيداً تعملُ وتصارع وتكافح وتندثر وتعودُ، وحيداً بداخلك الأبُ الذي يجلس على سفرة لامعة بعيون أبنائه. ولأني أتذكر ولا تعرف، ولأني رأيت وما كنتُ، سمعتُ ولم تقل، تنفستُ اختناقك الذي لم تخرجه، بقيت مثلك، أشعل نار أحلامي بغاباتي، غير أنّي أغادر المكان ما إن أشعل الضوء، وأنت تبقى. أتذكرك عند وداعنا على باب المطار، لأني أعرف أنّك تعرفُ، ولأنك تعرف أنّي راحلٌ، ربّما، دونما عودةٍ.

وقفت ولم تبك ولكني رأيتك تبكي! وقفت ولم تتحدث ولكنّي سمعت الكلام، لأن عصفورك أطلّ حينها، لأن عصفوري.. أكتب إليك أراك الآن، تمشي وحيداً، تمشي بأعمارك، وأمنياتك، وذاكرتك، وعصفورك على كتفك مجروح الجناحين. تدخل البيت - بيتك أبيك - غرفة غرفة، تخرج ولا تتنفس وتعود لتخطو من جديد.

تتذكر أثاث البيت الأول، غرفة أبيك، مروحة السقف الزرقاء، غرفة أمّك، وصندوق الحديد. تتذكر غرف المعيشة منفصلة عن مجلس النساء، تتذكر سفرة الغداء، شقّتك الضيقة وشقّة عمي، وتلاقي الأبواب. تتذكر فطور رمضان، وصبغ الجدران الأبيض قبل أن تصبغ البيت بيديك ثلاث مرات! أراك لأنّك صامتٌ. لأن عصفورك.. لأنّ عصفوري على كتفك الأخرى! ولأنّ الكتابة عبور ما لا يقال.

أكتب لك من الشمال، من حبر الثلج. أكتب.. لأنّي أخشى ألا أكون، لأنّي أخشى أن أكون، لأنّ كل ما أعرفه أن أكتب! ولأنّي أحمل أحلامك من آخر نظرة، ولأني أمثّل صورة الابن الذي يكبرُ في عينيك. لأنّ عينيك أوسع من خطواتي وعينيّ بلا ظلّ. لأنّك البطل الذي أراك، لأنّك البطل الذي سيبقى.. بطلي! ولأنّي أخاف، ولأنّ خوفي مثل عصفوري، على كتفك، مثل عصفورك، اعتاد وقوفك، اعتاد رائحة البيت. ولأنك ترى أمك الآن، في كل بقعة، في كل زاوية، في كل نفسٍ، لأن الشفيفَ ليس كذلك إثر اللمس.

كلماتي، كما يديّ، تحتضنانك طويلاً.. طويلاً جداً.. حتى رحيل العصافير..! أراك الآن تمشي وحيداً.. بأعمارك، وأمنياتك وذاكرتك وعصفورك على كتفك مجروح الجناحين.

موظف في شركة أرامكو السعودية أصدر كتابين عن دار مسعى للنشر و التوزيع 2013 " عين في إصبع " و 2015 "من العتمة إلى الجياع " شارك في العديد من الصحف العربية.