آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 8:04 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الازدواجية طريق السقوط

ورد عن أمير المؤمنين : العالم من شهدت بصحة أقواله أفعاله» ”1“

المسافة ما بين القول والفعل تمثل محددا مهما في معرفة شخصية الإنسان وأفكاره ومبتنياته وسلوكياته، فإذا ما كانت هناك حالة المطابقة والتوافق ما بين ما نتفوه به ونطرحه من وجهات نظر ورؤى وبين سلوكنا العملي، فهذا يعطي انطباعا عاما عن مصداقية هذا المرء ونظرته وتقييمه للكلمة لا أنها مجرد فقاعة هوائية، بل هي موقف يتحمل مسئوليته ولا يتنصل عن تبعاته، وأما من استحكمت أقواله وأفعاله بين فجوة المباينة والمخالفة فسيعطي صورة سيئة عنه تشير إلى انفصامية عنده.

ويعطي أمير المؤمنين معنى مهما لمفهوم العلم والذي لا يقتصر على مجمل تخزين المعلومات وارتكازها في الذهن، ولكنه توظيف لما يتضح لبصيرتنا من حقائق وتطبيقها على أرض الواقع بعيدا عن أروقة المصالح والأهواء التي تأخذ بنا نحو ضفة أخرى لا تتجه إلى المصداقية والشفافية وتكهين الكثير مما لا يتوافق مع واقعنا ولا يطفو على سطح حديثنا، وما الخداع والتهرب عن المسئولية والتمسك بالتبريرات والأعذار الوهمية إلا مسارب ناجمة عن خلق المباينة بين الأقوال والباطن.

ما نعتقده ونطرحه من أفكار هي عواكس وكواشف لما يقبع في أنفسنا من صور وأحاسيس عاطفية تجاه القضايا والأمور، وأفعالنا ومعاقد علاقاتنا هي إظهار لذلك الباطن وعلى أساسه تكون تصرفاتنا، ولذا في المجمل ظاهر فعل الإنسان كاف في إثبات حقيقته وتوجهاته دون حاجة إلى بحث وتفتيش عن البواطن وإثبات مدى صدقيتها وتطابقها مع ما نسمعه منه.

وهل هناك من يمتلك وجهين وقلبين لهما من التصرفات والمشاعر ما بينهما المخالفة والمباينة؟

نعم، هناك من يتحرك بعيدا عن إثبات وجوده ومصداقيته ويجعل همه الأول هو تحقيق غاياته المستبطنة التي يصعب اكتشافها، فالمصداقية لها مورد وحيد يدل على ما يحمله الفرد من قيم وأفكار ومشاعر وهي تطابق الباطن مع الظاهر، ويرى في تطابق واقعه مع ما يستبطنه أساس قوته الشخصية ومصدر الثقة والاحترام الذي يحظى به في محيطه الاجتماعي، إذ في الحقيقة أن الإنسان الذي له وجهان ولسانان وقلبان أسير للشهوات والأهواء والمصالح، وبذلك تسقط صورته من أعين العقلاء ولا يمكنهم الوثوق به، فمن يوثق به هو من يتصف بالصدق والأمانة، والشجاعة في الموقف وأمانة الكلمة متفرعات من متانة الأساس الذي بنيت عليه تربيته، فالمتلون اجتماعيا مثلا يبحث عن إرضاء جميع الناس والوصول إلى قلوبهم عن طريق إظهار ما يرتضونه، ولو كان ذلك على حساب الدجل والكذب والتزوير والسكوت عن الحق بل وإبطاله، ولكنه في النهاية يبقى تحت مسمى الأفاك المتخرص الذي ينكشف سريعا حبل تلونه.

وكذلك أصحاب المصالح الانتهازيون الذين لا تقف رغباتهم عند أي حدود يعيشون حالة التناقض ما بين قرارة النفس والواقع، فلا يهمهم ما يحدث من نتائج خطيرة على مصير علاقات الناس جراء فتنهم وعبثهم في بث الأخبار الكاذبة والشائعات.

وهنا أمير المؤمنين يوجهنا إلى منابت القوة في شخصية الإنسان، وهي أن لا توجد أي فجوة من التباين بين أقواله وأفعاله على أرض الواقع، وإلا وسمه الناس في دائرة عدم الموثوقية به، ولذا علينا تربية أنفسنا قبل أولادنا على المصداقية التطابقية بين بواطننا وظاهر أفعالنا، فالازدواجية في المواقف والميل تجاه طرف ضاربا بعرض الحائط ما كان يتفوه به ويخطه من قيم ومثل سيسقطه سريعا من أعين وقلوب الآخرين، فمن يعتقد أن خداع الناس سهل ويستمر طويلا فهو واهم، فالتناقض مرحلة عابرة سرعان ما تتلاشى خيوطها، كخيوط العنكبوت الراسمة لشكل هندسي جميل ولكنها تتقطع وتتبعثر مع أول ضربة.

والتطمينات الواهية التي تعمل كمسكنات مؤقتة ليست من المصداقية في شيء، فتوضيح الحقيقة بأسلوب لطيف لا يعني أبدا إخفاء شيء من تفاصيلها أو التعمية المتعمدة على ما يكرهه الطرف الآخر، فالمجاملات لون من ألوان الازدواجية المقيتة التي علينا تجنب التعامل بها في علاقاتنا ومتفوهاتنا.

”1“ «عيون الحكم والمواعظ ج 1 ص 50».