آخر تحديث: 19 / 9 / 2019م - 9:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الماء والنور في محكمة الضمير

عقدت محكمة الضمير جلستها لتحكم أيهما أفضل للأنسان الماء او النور. جاء الماء وأتباعه وهم الأنهار والبحار والمحيطات وكل كائن حي «وجعلنا من الماء كل شيء حي»، وجاء النور وأتباعه وهم الحكمة والأدراك والتفكير والهداية «و أشرقت الأرض بنور ربها».

جلس الضمير على كرسي القاضي وطلب ممثلي الماء والنور ان يجلسا أمامه. جاء جسد الأنسان ممثلا عن الماء وأتباعه وجاء عقل الأنسان ممثلا عن النور وأتباعه فجلسا أمام الضمير.

سأل الضمير ماهي دعواكم؟ فقال الجسد والعقل: لقد أختلف الماء والنور أيهما أهم للأنسان ولم نر خيرا منك أيها الضمير لتحكم بيننا. قال الضمير للجسد تفضل:

قال الجسد: أنا أمثل الماء فمني خلق الله كل شيء حي، ومني يشرب الناس ويغتسلون ومني يصنع الدواء والطعام فلايستغني الأنسان عني أبدا،

قال العقل: أنا أمثل النور فبي يرى الناس ويبصرون ويفكر البشر ويبدعون فأنا من يميز الأنسان عن سائر المخلوقات،

قال الجسد: الماء ملأ الدنيا وزينها بالخضرة والنبات،

قال العقل: النور ملأ الكون فأنقشع الجهل والظلمات،

قال الجسد: الماء سبب اللذة والغرام ومنهما الطعام والشراب،

قال العقل: لذة الجسد جذوة تشتعل وتنطفيء ولايبقى سوى الرماد، اما لذة الفكر والروح فشعلة تضيء على مر الزمان،

قال الجسد: كم هناك من قلوب قاسية وعقول مظلمة يعشعش فيها الجهل والظلام «قست قلوبهم فهي كالحجارة او أشد قسوة»،

قال النور: نعم هؤلاء «أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا»، ولكن هناك قلوب أشرقت الأنوار فيها فأصبحت معلقة بالسماء

قال الجسد: الماء طهور ينزل من السماء فيغسل أدران الأرض واجساد البشر

قال النور: الوحي نور يهدي به الله البشر فيغسل أرواحهم ويطهر قلوبهم

قال الجسد: ما أكثر أتباعي فأنا في زيادة وانت في نقصان

قال النور: العلم يزكو بالأنفاق اما انت ايها الماء فدائما في نقصان

قال الماء: هذا دليل على ضعف الادراك والتفكير، انظر كيف يسرف الناس فيهرقوني سدى في كل زمان ومكان رغم نقصي عاما بعد عام،

قال النور: نعم أنت على حق أيها الماء، ليت البشر يعقلون: «كلوا وأشربواولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين»،

صاح الضمير بهما وقال: هل من كلمة أخيرة أيها المتخاصمان؟

قال الجسد: أنا وعاء العقل وحاميه، فلولاي لم يعمل العقل طرفة عين

قال العقل: ليس لديك خيار أيها الجسد، أما أنا فقد كرّمني الله بالأختيار «فألهمها فجورها وتفواها، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها»، وقد أخترت لك الهداية والفلاح وأبعدتك عن الغواية والضلال،

رفع الضمير يده وطلب من الجميع السكوت ريثما يصدر الحكم. هنا رفع العقل يده مستئذنا وكأنه يريد أن يسدد الضربة الأخيرة فقال: سيدي الضمير، إن الماء يشربه الكلاب والخنازير ولكنه حبس نفسه ذات مرة عن كعبة النور والضياء فهل يرضى الضمير بهذا؟ قال له الضمير: صه أيها العقل، لم يحبس الماء نفسه عن الضياء وإنما منعه أهل الظلم والكبرياء.

سكت الجميع ونطق الضمير بالحكم قائلا: أيها الماء ترفق فأنت في خدمة النور «و من لم يجعل الله له نورا فماله من نور»، أما أنت أيها النور فلك كل ماء الدنيا شريطة أن لاتسرف فيه أبدا.

قال الجسد وهل لي من نصيحة أيها الضمير؟ أجاب الضمير نعم أيها الجسد فأنت سفينة ربانها العقل وبوصلتها النور، فلتبحر أيها الجسد في بحار الدنيا بسكينة ووقار «بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم» .ً