آخر تحديث: 21 / 9 / 2019م - 12:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

العاديُّون.. ولذة إحراج المُتميزين

زينب البحراني *

في عالمنا العربي مرضٌ اسمه ”الاستخفاف بالمُبدعين“، وهذا المرض يدفع كثيرين منهم لتجنب التواجُد بين تجمُّعات أو مناسبات قد يؤدي تواجدهم فيها إلى تعامل عامَّة الناس معهم بطريقة تٌبدي شيئًا من عدم تقدير قيمتهم أو الاستهتار في التعامل معهم.

المُبدِع الناجح في أي مجالٍ من المجالات هو شخصٌ يملك ما ”يُميزه“ عن الآخرين، فوق الذكاء والاجتهاد وهبته السماء موهبةً خاصةً تجعل منه انسانًا ”فريدًا من نوعه“ في زاوية من زوايا الحياة وصلت به إلى مرحلة من محبة الجماهير وانتشار اسمه بصورة إيجابيَّة عبر وسائل الإعلام وغيرها من قنوات الإشهار الجماهيري، وتلك النتيجة التي لا ينالها من ”هب ودب“ تضعه على درجةٍ متفوقةٍ على أولئك الذين لم يُحققوها، لكن عامّة الناس في مُجتمعه يصعُب عليهم تقبُّل هذا التفوق الذي لا يستطيعون الوصول له لأنه يعتمد على موهبة خاصة تتجاوز حدود الأفعال البشرية النمطية كالاجتهاد في حفظ الدروس للحصول على درجاتٍ مرتفعة والتنافس على مقعد من مقاعد كُليات القمة، الجميع يستطيعون حفظ الدروس عن ظهر قلب بالإعادة والتكرار بما فيها مخلوقاتٌ أخرى غير البشر، وما يستطيع الجميع تحقيقه ليس ”تميُّزًا“ وإن كان شكلاً من أشكال النجاح بطبيعة الحال. ملايين يستطيعون أن يُصبحوا أطباء أو مُهندسين، لكن كم شخصًا يمكنه أن يكون عبقري الأدب ”نجيب محفوظ“ أو أسطورة التمثيل ”أحمد زكي“؟!

قبل فترة دار نقاشٌ طريفٌ بيني وبين إحدى الصديقات المُتابعات على موقع التواصُل الاجتماعي ”فيسبوك“ عن الأشخاص الذين ”يتعمدون“ عدم التفاعل مع منشورات شخصٍ ما وإن أعجبهم المنشور، أبدت الصديقة شعورها بالطرافة لتصرُّف البعض معي أنا أيضًا بتلك الطريقة رُغم أنني ”كاتبة“، فأكدتُ لها أن كثيرين يتعمدون عدم التفاعل مع كتاباتي وكتابات غيري وإن أعجبتهم بهدف حرمان الكاتب من الشعور بالسعادة، وارتفاع ثقته بنفسه، وكي لا يظن أن له فكرًا يملك أي ميزة مُقابل أسلوب تفكيرهم!

مراتٍ بلا عدد طُلِب مني حضور مُناسبات اجتماعية مُعينة أُدرك أن الهدف منها الاستفادة من اسمي ككاتبة في مُحيطي المُجتمعي، قد لا يكون اسمي فائق الشهرة على صعيدٍ عالمي أو عربي؛ لكن له وزنًا يستحق الاحترام بين حدود المدينة التي أعيش فيها «رُغم أنه لا يحظى بمُعاملة تترجم الاحترام الذي يستحقه»، وكنت أعتذر دائمًا بلباقة لأن التجارب علمتني أن أي موافقة ستكون نتيجتها أحداثًا تنتقص من شأني - بطريقةٍ أو أخرى - يوم المُناسبة، وسواءً جاء ذاك الانتقاص عن حُسن نية ودون قصد لإيذاء المُتعمد أو جاء عن سابق تخطيط وسوء نية؛ تظل آثاره السلبية مطبوعة في نفس الإنسان المُساء إليه.

ذات مرة أجبرتني الظروف على حضور مُناسبة اجتماعية عائلية، كان المكان مُزدحمًا بسيداتٍ وآنساتٍ غيري، بينما كُنتُ أنا جالسةً في مكانٍ مُحدد، وكُل الموجودات «أو مُعظمهن» يعلمن أنني كاتبةٌ ومؤلفةٌ محبوبة من القُرَّاء، وأن حضوري تلك التجمعات من النوادر مُتجاهلةً بعض الاتهامات المُستفِزة ب ”الغرور“، كان ثمة نساء أكبر سنًا وأخريات أصغر سنًا من مُختلف الأعمار بين جالسات وواقفاتٍ وماشيات، وما أن وقفتُ أنا وخطوتُ بضع خطوات حتى ارتفعت الأصوات مُتقاطِعةً بصورةٍ مُفاجئة: ”زينب.. أحضري لي كوب ماء“، ”زينب.. أحضري لي مسبحة“، ”زينب.. أغلقي ذاك الباب“، ”زينب.. اطفئي النور“، ”زينب.. أشعلي النور“، ”زينب.. أريد منديل“، ”زينب.. كم الساعة الآن؟“، ”زينب.. أحتاج قطعةً من الورق“.. يا إلهي! تمنيتُ من كل قلبي أن تدور الكُرة الأرضية سبع دورات ولا أجد نفسي في ذاك المكان! كان كل شيء قريبًا منهن ويستطعن فعله بسهولة، لكن ”استخدام“ هذا الشخص الذي يعتبره العالم ”أكثر أهمية“ يبعث في نفوس اولئك الناس مشاعر النشوة والظفر، ويُضاعف مشاعر الرغبة في الاختفاء عن الأنظار البشرية بالنسبة للمُبدِع.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد جاسم
[ الأحساء ]: 10 / 9 / 2019م - 7:32 م
أختي الكريمة

تعليقاً على قولك
وإن أعجبتهم بهدف حرمان الكاتب من الشعور بالسعادة، وارتفاع ثقته بنفسه، وكي لا يظن أن له فكرًا يملك أي ميزة مُقابل أسلوب تفكيرهم!
أقول احمل أخيك المؤمن

وأؤكد لك يوجد أسباب أخرى لعدم التعليق لا داعي لذكرها.
كاتبة وقاصة سعودية - الدمام