آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

حياةُ الطباشير والسبورة

من منكم لا يتذكر الطباشيرَ البيضاءَ التي كانت هي واللوح الأسود كل ما في الصف الدراسي من أدواتِ دراسة، ولم تمنعكم هذه البساطة في الأدواتِ من التعلم والجدِّ والاجتهاد. لم تكن المدرسة مبنى فيه تتعلمون، بل كانت المكانَ الأوحد في القرية والمدينة لكل ما هو جديد من كتابٍ ومن لباسٍ ومن أخبارٍ تسمعونها ومحفلاً لمعرفة الأصدقاء الذين قضيتمْ معهم أجمل وأسعد أيام حياتكم، فيها ضحكتم وفيها لعبتم وفيها تعلمتم!

كانت الطباشير بيضاءَ ثم جاءت بكل الألوان، لكن كيف كان لهذه القطع الميتة أن تعطي كل هذه الحياة؟ عندما يقف المدرس أمام الطلاب كلنا نراقبه متى ما انتهت علبة الطباشير يسأل من يحضر الطباشير؟ سؤالٌ بالنسبة لثلاثين صغيراً كان كمن يسأل من يريد منكم الجائزة الكبرى؟ ترتفع ثلاثونَ يداً صغيرة وتعلو الأصوات، أنا أنا أنا، يحدق فينا الأستاذ ويختار بعشوائيةٍ واحداً منا وتهبط باقي الأيدي في حزنٍ ظاهرٍ حتى تحين الفرصةُ التالية.

من يكون منا المنتدب تكون من أجمل لحظات الدراسة، أن يقتحمَ على مدير المدرسة والمشرف وبقية المدرسين مكانهم الخاص دون أن يطلبوا منه الحضور! ودون تردد يرفع صوته بينهم: مدرس الصفِّ يطلب طباشير. ثم يحمل تلك العلبة عائداً بكل اعتزاز أنه تحمل المسئووليةَ وشارك في نجاح الصف وأرضى المدرس حيث عاد محملاً بالطباشير غير مكسورةٍ أو ناقصة، وتغمره البهجةُ حين يعلو صوت المدرس قائلاً: صفقوا له.

أليس كلنا مثل ذلك الصغير الحامل للطباشير؟ نقضي حياتنا نبحث عن من يسألنا إن كنا نريد أن نقومَ بعملٍ كبيراً أو صغيراً لكنه ينفع ثم إن أديناه بطريقةٍ مرضيةٍ أن نُشكر عليه ولو بقليلٍ من العرفان. نحن مخلوقاتٌ تحب الشكرَ وتطلبه في كل سني عمرها، في البيت، في المدرسة، في العمل وفي المجتمع، فلا يحسن أن يخلو مجتمعٌ أو أمةٌ من التصفيقِ لمن يتقن مهامه ولا ينقصها.

من أسوأ ذكريات السنين الأولى في الدراسة أن تكون ماسحَ السبورة، هي لحظةٌ تتماهى مع عقاب المدرس جسديا ونفسيا وتتماهى مع مسح أخطاء الصغار الآخرين أو قتل إنجازاتهم. لحظاتٌ قصيرةٌ في الحياة إما أن ترفعنا إلى قمم السعادة أو تهبط بنا أودية الإحباط والخذلان، وإن تغيرت أدواتُ تلك اللحظات واختفت مثل الطباشير واللوح الأسود يبقى الإنسان يفرح بتصفيقِ جنسه حتى الممات ويمقت الطلبَ منه مسح أخطاء غيره أو دفنَ إنجازاتهم التي يفخرون بها.

مستشار أعلى هندسة بترول