آخر تحديث: 12 / 11 / 2019م - 10:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

صوت ابناء المجتمع

أمير الصالح

بحمد الله وفضله، بات مجتمعنا وابناء وطننا يعج بنماذج من الأُسر الناجحة والأبناء الطلبة المجدين وأصحاب المهارات العلمية والمهنية المتفوقين. حتى اضحى عدد كبير منهم محط انظار واشادة وتفاخر، فالحمد لله على ذلك. الا اننا لن نغدق المدح لاعضاء المجتمع كله حدا يبلغ النرجسية ويبالغ في التعميم. ولذا من الجيد النظر لكل الاحداث والشرائح المحيطة بنا بمنظار موضوعي فاحص ليكون التدارس والنقد عملية مستمرة وبناءة وتهدف لتصحيح اي خلل قد يطرأ في اي إتجاه واصلاحه او استدراكه قبل فوات الاوان. ساورد هنا أربع قصص واقعية لاضعها بين ايدي القراء الكرام وأُنبه نفسي والقراء الكرام على استنطاق التجارب واستكشاف اساليب المعالجة الممكنة والتعاضد لأيجاد وترسيخ القيم والحلول التي ترفع مستوى كل اطراف المجتمع دون تمييز نحو الافضل.

قصة 1:

بينما كنت في صالة الإنتظار بالطوارئ باحد المستشفيات الأهلية واذا بامرأة هرعت بابنتها ذات الستة سنوات نحو غرفة دكتور الطوارئ بعد ان قدما مع الممرضة من غرفة تصوير الأشعة السينية للعظام. وكان باب عيادة الدكتور مشرع بعد ولوج المرأة وابنتها وكل من في صالة الانتظار يسمع مايدور بينهم من حديث. فقال الدكتور بعد ان نظر لصور الاشعة السينية: ”اصابع ابنتك مهشمة ومكسرة، هي سقطت او سقط عليها شي؟“

فقالت المرأة «الام» ومن دون شعور بالندم with no remorse: ”انها بنت حوسة «شقية» وتستاهل اللي صار ويصير لها“. تجمد الدكتور وتجمد من في صالة الانتظار وساد الصمت لبرهة وامتد لفتره اكثر من برهة من اثر وقع الرد على الأنفس. فحولق كل من في الصالة وقد يكون احدهم اصمر اللعن في حق المرأة لسوء الرد وتجاهل الم ابنتها. فقال اكثر من واحد من دون اي مسبق توافق ”ايا كان السبب فان البنت صغيرة ولا تستحق هكذا عقوبة“. كنت اَتسأل هل تلك المرأة تستحق لقب اُم؟ اَم انها فعلت ذلك الصنيع نتيجة ظغوط حياة وإستهتار من زوج وإنتقام من واقع هي رافضة له؟ هل يجب ان تكون كل زوجة اُم ومتى تصبح مؤهلة لذلك؟ وهل يجب ان يكون كل زوج أَب ومتى يستحق ذلك؟ متى وكم عدد الاطفال الذين يجب ان يُنجبون للحياة من الزوج والزوجة بناء على الحالة الاقتصادية والنفسية؟ ماهي السلوكيات المتوقعة من تلكم الطفلة الضحية ان هي اصبحت اُم يوما ما؟ ماهي...؟ وماهي...؟

قصة2:

بعد ان انجبت ثلاثة بطون واورقت ثروة زوجها ماليا، تعرف الزوج على فتاة اكثر جمال واكثر علم واكثر رقة من زوجته. فقرر الرجل الزواج بتلك الانسة الجديدة كزوجة ثانية واهمل الزوجة الاولى وابناءها بشكل تعسفي. بعد حين وتحت ضغط الزوجة الثانية والحاحها، طُلقت الزوجة الاولى واستحوذ الزوج على حضانة الابناء. وانتهى الوضع لان يكون الابناء ضحايا لنزوات ابيهم الغير منتهية. ابناء الاولى وقعوا تحت معاملة الاذلال والتشريد المتعمد من زوجة ابيهم الشرسة واباهم المنغمس في زيادة تحصيله المالي واشباع نزواته الحسية ولم يحس بابناءه واشتد جفاف عاطفة الابوة في قلبه. لاحقا، الاب ارتبط بزوجة ثالثة وطلق الثانية بعد حين. واثقل ذاك الرجل المجتمع بابناءه المهملين كونهم ضحايا مليئين نفسيا بصور سلبية قاتمة نحو الأبوة والأمومة ومحطمين الكرامة؛ وفي ذات الوقت اضحوا الابناء عبء على المحيط الاجتماعي وموردي مشاكل متعددة وصناع حوادث سيئة. كنت اتسأل: هل ذاك الرجل المستهتر بحقوق ابناءه يستحق لقب الأب؟ ام انه يعبث في الارحام تحت مسمى التشرعن بالتعدد في الزواج؟ ام انه يتقمص الاستدلال بالاحكام القانونية والشرعية ليشبع مأربه الشخصية دونما محاسب والزام بحقوق؟

قصة 3:

بعد بلوغه الاربعين عمرا، كثيرا ما كان يردد في الديوانيات والقروبات بانه شق طريق فكري جديد وانه اصبح متحرر من أي ألتزام عقدي نحو ابناء مجتمعه وانه لا يعبئ باراء المجتمع الذين يعيش معهم. واستمر به الحال هذا لعده سنوات وهو يرد تلكم الشعارات وازداد ضجيجه وانتقاده لمن يخالفه واستطال في قله ذوقه في الالفاظ والنعوت الموجهة نحو الاخرين؛ فتاره يقول في حق بعض ابناء المجتمع انهم قطيع وتاره يصفهم بانهم عبدة كذا او خرفان وتارة... وتارة. قيل له اكثر من مرة ان كنت صاحب دعوة فقارع الحجة بالحجة وفي ذات الوقت التزم احترام كرامة الاخرين عند التعاطي معهم؛ الا انه ابى واصر على سلوكه والفاظه النابيه وادبياته المستفزة. كبر ونشأ بعض ابناؤه على هكذا مزاج واسلوب وتصادم، وتزوجوا/ تزوجن ابناءه من ملل ونحل مختلفة وبلدان شتى دونما اعتبار من تجارب اخرين او احترام لرأي زوجته الصابرة او ابناء قومه. بعد حين من الزمن برزت مشاكل عده بين ابناؤه المتزوجون وانسابهم من الملل المتعددة، وعند ذاك بدأ التراشق بينهم على اساس التغامز والتنابز بالعرق والملة والمذهب وتحطمت اقنعة الانسنة وسقطت شعارات الانفتاح دون حواجز. وضاع الاحفاد هويتا بين طيات المهاترات ونشوة ال أَنا الفردية الغير مدروسة وانزلقت اقدام بعض ابناء المجتمع في وحول قرارت ذاك الانسان المستهتر المُعجب بذاته وقراراته. وهنا تساءلت: هل تكوين الافكار والاعتناق لافكار معينة هي نزوة لدى البعض او مشروع اعتباطي او حب لخلق شعبية او محطة تنمر على المحيط او درجة يقين يتحمل صاحبها تبعاتها؟ لماذا المجتمع الام يدفع ضريبة المتمرد منه ولو بعد حين؟

قصة 4:

بعض النساء اعلن تمردهن على ازواجهن وطالبن بالانفصال البائن «الطلاق» بمجرد حصول استقلال مالي واستقلال في ادوات التنقل. تصاعد نسبة المطلقات خُلعا لفشل بعض الرجال في احتضان ازواجهن او لسوء قرار في ساعة غضب او نشوة خوض تجربة او انجراف نحو تأثير شلل نسوية او تشويه او تغرير لاحداث امر. بعد الانفصال خلعا او مشاكسة، اضحى الضحايا من الابناء «اطفال» مشردين بين أَب عنيد متهتك وام تعيد استكشاف طريقها في الحياة متكئة على تدفق راتبها بشكل مستمر لانجاح ما هي تصبوه او تعتقد بانها تود ان تحققه شغفا في حياتها. هنا تساءلت: هل الانفتاح وحرية اتخاذ القرار بين الزوجين اضحى دعوة لتمرد ام حسن توظيف للموارد والظروف الزمكانية واعادة ترتيب الامور؟ وهل الحفاظ على الاسرة اصبح اولوية ثانية او ثالثة لدى بعض الاباء والامهات؟ وماهي الغايات والطموحات التي يضحي من اجلها البعض باسرته وابناءه من اجلها؟

هذه القصص وقصص واقعية كثيرة جدا والتي تفصح عن زيادة الضحايا من ابناء المجتمع واثقال الجراح داخل جسم المجتمع الواحد، تستدعي ان يتعاضد كل مكونات المجتمع ليعبرون عن موقفهم ويطرح كل من العالم والخطيب والمثقف والاديب والمفكر والاكاديمي افكار تتضمن معالجات رصينة لوقف النزيف من رصيد الاسر المستقرة قبل ان يستفحل الامر ويفلس بعض افراد المجتمع اخلاقيا وسلوكيا وماديا. ونتطلع لانطلاق مبادرات وبرامج اجتماعية تواكب متجددات الزمان وتقدم فنون ادارة نماذج الحياة الناجحهlife style وترتقي بمنسوب الوعي من خلال برامج مستدامة وعلى امتداد زمني طويل تحت عنوان برامج التعليم الجماعي community education program. جميع ابناء المجتمع يحتاج بعضه البعض الاخر في بذل النصيحة وطرح التجارب وابداء حزمات الحلول لكي نكون جميعا متكاملين والا سياكلنا الثور الابيض كما اُكلت مجتمعات اخرى؛ وعندها لا ينفع الندم على مافاتنا او ما فرطنا.