آخر تحديث: 17 / 10 / 2019م - 11:01 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإمام الحسن.. وحفظ ماء وجه السائل

عبدالله الحجي

عُرف الإمام الحسن بن علي بكريم أهل البيت لما تميز به من عطاء وكرم فقد خرج من ماله مرتين وقاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات.

وقد وردت العديد من المواقف في الكتب المعتبرة ومنها عندما جاءه بعض الأعراب فقال: أعطوه ما في الخزانة فوجد فيها عشرون ألف دينار فدفعها إلى الأعرابي فقال الأعرابي: يا مولاي ألا تركتني أبوح بحاجتي وأنشر مدحتي. فأنشأ الحسن :

نحن أناس نوالنا خضل * يرتع فيه الرجاء والأمل

تجود قبل السؤال أنفسنا * خوفا على ماء وجه من يسل

لو علم البحر فضل نائلنا * لغاض من بعد فيضه خجل

نستلهم من هذا الموقف دروسا قيمة من الإمام الحسن بالتحلي بالكرم ونبذ البخل، والمبادرة بالعطاء لكي لايُرى الذل والانكسار على وجهه السائل وليُحفظ ماء وجهه وكرامته.

ليس من الإنصاف التعميم بالقول بأن المجتمع في عصرنا الحالي لايراعي هذه الأمور مع السائلين والمحتاجين إلا أنه لايخلو من وجود بعض المواقف والحالات التي لاتعبأ بكرامة الإنسان ولا بماء وجهه وسنقف عند البعض منها.

ليس شرطا في قبول العمل بأن يكون العطاء والانفاق مقتصرا بالسر وإن كان هو الأفضل بأن ”لا ترى شمالك ما أنفقت يمينك“. قال تعالى: ”الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ“. وقال تعالى: ”إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ”. ولكن قد يقتضي الحال بأن يكون العطاء علنا لأسباب ومآرب لسنا في صدد التطرق إليها في هذه المقالة بشرط أن لا يشوب نية العمل الرياء والسمعة والمن والأذى فيضيع الأجر والثواب. قال تعالى: ”الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”

من الصور التي يُؤسف لها عندما يكون العطاء عند البعض مرهونا بالصور والفلاشات والحملات الإعلامية ويتناسب معها تناسبا طرديا. فكلما كان الإعلام مكثفا وكثرت الصور والنشر والدعاية عبر قنوات التواصل الاجتماعي، صار العطاء أكثر وأجزل. والعكس صحيح عندما يكون العطاء في غرفة مغلقة تخلو من الضجة الإعلامية، وليس فيها إلا الكاميرات الإلهية. عندما يكون الهدف من العطاء إعلاميا ليس قربة إلى الله تعالى يكون جُل اهتمام الشخص بذاته وآخر ما يخطر على باله هو الخوف على ماء وجه السائل ومراعاة مشاعره.

البعض قد يعطي أشياء عينية ولكنه يحرص على طباعة أو نقش اسمه أو اسم مؤسسته عليها بحيث تكون بارزة كما حدث في أحد المواقف التي كانت تسبب حرجا كبيرا وتفضح الأطفال عندما طبع المتبرع اسمه على الحقائب المدرسية.

ومن المواقف التي يرويها أحد الشباب المحتاجين يقول كنت في أمس الحاجة بسبب الديون التي أرهقت عاتقي فتقدمت لأحد الأشخاص أطلب منه المساعدة فانهال علي بالإهانة وأحرجني أمام الآخرين وتمنيت بأن الأرض قد انشقت وابتلعتني ولا أكون في مثل هذا الموقف الذي لم يحفظ لي أي كرامة بالرغم من علو قدره ومكانته الاجتماعية.

ونكتفي بآخر موقف بخصوص التسويق للمحتاجين الذي أخذ في الانتشار في عصرنا عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي. فما أن تقع إحدى القنوات الإعلامية على حالة لأحد المحتاجين تهتم بأن يكون لها السبق الصحفي في نشر الخبر، وبعدها تحاول كل قناة باختلاف أنواعها الوصول إلى هذه الحالة وتصويرها وعمل اللقاءات معها ونشرها من جهتها وكان الله في عون صاحب الشأن فكل إعلامي يحرص على أن لاتفوته هذه المادة الدسمة التي أريق ماء وجه صاحبها ولم يبق أحد لم يعرفه. ربما يكون الأمر مزيجا بين الشهرة والنوايا الحسنة والإنسانية ولكن هل انتهى الأمر؟ كلا.. الخطوة التي تليها خروج أصحاب الأيادي البيضاء ومن أنعم الله عليهم بمختلف التبرعات التي عادة ماتكون علنا إلا ماشاء الله. ولا يُستبعد أن تكون بعض هذه التبرعات ممن يعيش بالقرب من هذه الحالة ويعرف أوضاعها على مدى سنوات إلا أنه لم يحرك ساكنا حتى تناولها الإعلام!! وأي ماء وجه بقي لكي يُحفظ لهذا السائل؟